المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

"العقار بالتخصيص" و"مشتملات المبيع" الممارسة السائدة والتقنية الحديثة

"العقار بالتخصيص" و"مشتملات المبيع" الممارسة السائدة والتقنية الحديثة

"العقار بالتخصيص" و"مشتملات المبيع" الممارسة السائدة والتقنية الحديثة

في عالم نستخدم فيه أحدث ما توصل له العالم من تقنيات وأجهزة حديثة، ونمارس البيع والشراء عبر المتاجر الإلكترونية، وأحياناً نسوّق أعمالنا ونتبادل السلع في الأسواق عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تأخذ حالياً الكثير من الزخم والإقبال، بل ونستثمر أموالنا، وننجز أنواع المعاملات ونحن ننقر على الأجهزة الذكية؛ فإن ذلك لا يتم بطبيعة الحال دون أن يرافق ذلك أحداث ووقائع، ونوازل، تلك التطورات لم تقتصر على التجارة فحسب، بل امتدت لتؤثر على التعاملات والعقود العقارية، إذ تتقاطع العديد من المفاهيم القانونية التي قد تبدو متشابهة، ولكن تختلف في مضمونها وتأثيرها القانوني عند الولوج إلى تفسير تلك المفاهيم، ومن بينها يبرز مصطلح "العقار بالتخصيص" و"مشتملات المبيع".
العقار بالتخصيص وفقًا للمادة الثانية والعشرين من نظام المعاملات المدنية يعد المنقول الذي يضعه مالكه في عقارٍ بقصد خدمته أو استغلاله بشكل دائم، حتى وإن لم يكن متصلًا بالعقار اتصالًا دائمًا، أما العقار في تعريف النظام نفسه فهو كل شيء ثابت في مكانه لا يمكن نقله دون تلف أو تغيير هيئته، إذا هو منقول في حكم العقار، ويلاحظ أن هذا المفهوم أو المصطلح ورغم كثرة استخدامه في الفقه القانوني إلا أنه نادراً ما يظهر في نصوص العقود! بل يُستخدم غالباً عند الفصل في النزاعات، أو تفسير بنود العقد، أو عند شروحات النصوص القانونية؛ حيث توصف بعض المنقولات بأنها من مشمولات المبيع وعقار بالتخصيص، ويعد هذا المفهوم جزءاً من نطاق المبيع (بالطبع المبيع العقار فقط) دون الحاجة إلى ذكره بهذا اللفظ صراحة في العقد، والقضاة في مناقشاتهم وعند تسبيب الأحكام يستخدمونه بشكل كبير، وفي هذا السياق يجدر التنبيه أيضاَ أنه يمكن القول إن "العقار بالتخصيصهو مثال حي على التباين بين اللغة القانونية المستخدمة في قاعات المحاكم وبين الصياغة العملية للعقود!.
لا يمكن أن ننكر أن سرعة التطورات التقنية وسهولة نقل ملكية العقارات اليوم جعلت هذا التصرف القانوني أكثر مرونة ويسرًا مقارنة بالأعوام الماضية، إذ أصبح بالإمكان إتمام إجراءات نقل الملكية بخطوات إلكترونية بسيطة دون الحاجة إلى الحضور الفعلي للمكاتب العقارية، أو اللجوء إلى الإجراءات التقليدية المطولة، وقد أسهمت هذه التطورات في تسريع حركة السوق العقاري، مما أتاح فرصًا أكبر للبيع والشراء في وقت قياسي، لكن هذه المرونة الإجرائية تخفي وراءها تحديات جديدة، لا سيما مع تعقيد طبيعة المباني الحديثة وتنوع مكوناتها، فالمباني لم تعد تقتصر على العناصر الأساسية مثل الجدران والأسقف، بل أصبحت تضم أنظمة ذكية ومدمجة، وأنظمة أمن ومراقبة، وهذه الأنظمة تمثل جزءًا من جوهر العقار، ويؤدي نزعها أو تسليم العقار دونها إلى تغيير جوهري في طبيعة العقار، وقدرته على أداء وظائفه الأساسية، لذلك فإن توثيق هذه التفاصيل ليس خيارًا، بل ضرورة قانونية لحماية حقوق الأطراف ومنع النزاعات حول مشتملات المبيع، فالكثير من السماسرة لا يمتلكون القدرة أو الخبرة اللازمة لصياغة مثل هذه الاشتراطات في العقود، مما يؤدي إلى إغفال تفاصيل جوهرية تتعلق بحالة العقار ومحتوياته، والضمانات على المعدات والأجهزة، ومدة صلاحيتها، وغيرها من تفاصيل التي تُعتبر جزءًا أساسيًا من البنية التشغيلية للعقار، ومن هنا تبرز الحاجة إلى توثيق دقيق لهذه المكونات، خاصة في ظل ارتفاع قيمتها وتأثيرها المباشر على الوظائف الأساسية للعقار.
يُعتبر صك أو سند الملكية الوثيقة الأساسية التي تُثبت ملكية العقار، وحدوده، ومواصفاته المذكورة في الصك، ولكن العقد يمكن أن يتناول تفاصيل أخرى أيضاً!، مثل المنقولات، والملكيات المشتقة، أو حقوق الارتفاق والتي لا تدخل ضمن الملكية الأصلية للعقار، ولكنها تؤثر على طريقة استخدامه، بالطبع سند الملكية المرجع الأساسي لبيانات العقار، ويُقدم ما يرد فيه دائمًا على ما تضمنه العقد من تفاصيل حال التعارض بينهما، ولهذا السبب يصبح فصل محتويات الصك عن تفاصيل العقد أمرًا بالغ الأهمية لضمان حماية حقوق الأطراف وتجنب أي التباس.
سوق التطوير العقاري لم يعد كالسابق، فالعديد من المطورين يبيعون وحدات تحتوي تفاصيل وأنظمة وتقنيات مختلفة، وهذه التقنيات لا تذكر في سند الملكية!، وتدوين التفاصيل التي لم ترد في سند الملكية في عقود تسبق نقل الملكية هو الحل الأمثل قانونياً!، وإن إغفال هذه التفاصيل قد يجعل المشتري يواجه مفاجآت غير متوقعة بعد إتمام التصرف العقار ي ونقل المليكة "الإفراغ"، كغياب أنظمة مهمة، أو مكونات كانت تُعتبر جزءًا من العقار عندما يقوم البائع بنزعها من العقار باعتبار أنها لا تدخل ضمن قيمة المبنى، وهذا يفتح الباب أمام نزاعات قانونية معقدة تتعلق بطبيعة المبيع، ويجعل الاستعانة بمتخصصين قانونيين أمرًا لا غنى عنه لضمان وضوح العقود وحماية حقوق الأطراف، وهذا نصت عليه المادة الحادية والعشرون بعد الثلاثمائة من نظام المعاملات المدنية على " (1) يلتزم البائع بتسليم المبيع إلى المشتري بالحال التي كان عليها وقت البيع، الخ"..
وفي هذه الحالة قد يواجه المشتري نزاعًا حول ما إذا كانت الأجهزة أو الأنظمة الذكية -مثل أنظمة التكييف المخفية، أو المطابخ الذكية المدمجة تُعتبر من مشتملات المبيع أم أنها ليست مشمولة في عملية البيع، ويؤدي غياب التوضيح في العقد إلى التفسيرات المتضاربة، ما يفتح الباب أمام نزاعات قضائية قد يكون من الصعب حسمها، وقد نصت المادة الثامنة بعد الثلاثمائة من نظام المعاملات المدنية على "(1) يجب أن يكون المبيع معلومًا للمشتري برؤيته أو ببيان صفاته المميزة له"
وهنا يبرز دور الأنظمة الذكية والعُرف في تفسير العقود؛ ففي حين كان العرف المرجع الأساسي في تفسير وتوضيح الحقوق الغير متفق عليها ، بات من الضروري اليوم فهم تأثير هذه الأنظمة على العقود الحديثة، لاسيما مع تطور وسائل الربط الذكي في المنازل والعقارات، مثل أنظمة الإضاءة والمكيفات والمراقبة الحديثة، فبعض هذه الأنظمة قد يُعتبر عقاراً بالتخصيص، وتنص المادة الثانية والعشرون بعد الثلاثمائة من نظام المعاملات المدنية على "تسليم المبيع يشمل ملحقاته، وما اتصل به اتصال قرار، وما جرى العرف على أنه من توابع المبيع ولو لم يذكر في العقد" وهو ما يستلزم توضيحًا دقيقًا في العقود لضمان تحديد طبيعتها القانونية.
لنأخذ مكيفات التبريد كمثال، فالمكيفات التي يمكن إزالتها وإعادة تركيبها بسهولة دون أن يتأثر العقار أو يتعرض لأي ضرر يجعله من مشتملات المبيع، والمكيفات المخفية المثبتة فوق الأسقف المستعارة، من جهة أخرى تعتبر جزءًا من تصميم العقار الداخلي، ويتطلب فصلها تعديلات إنشائية قد تؤثر على العقار يجعلها عقاراً بالتخصيص.
إن توابع المبيع المتصلة اتصالاً دائماً تدخل تلقائياً في البيع حتى لو لم يتم ذكرها بشكل صريح، كالأقفال المثبتة على الأبواب، والخزائن الثابتة في الجدران، والمصاعد، وأجهزة دفع ورفع المياه وغيرها، والأمر دقيق جدًا فعلى سبيل المثال الخزائن المنفصلة عن الحوائط لا تعد من توابع العقار، ولكن ماذا لو كنا نتحدث عن مبنى حديث مجهز بأنظمة إدارة ذكية تتحكم في الإضاءة، والتدفئة، وحتى وسائل الأمان، مثل أنظمة إدارة المباني (Building Management Systems – BMS)؟ هذه الأنظمة التي تكلف مبالغ طائلة، ولم تعد مجرد أجهزة يمكن فصلها بسهولة؛ بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العقار ذاته، وتحديد وضعها القانوني يتطلب فهمًا عميقًا للمعايير التالية:
  • الارتباط بالعقار: إذا كان النظام الذكي موضوعًا لخدمة العقار أو استغلاله بشكل دائم، حتى لو لم يكن متصلًا بالعقار اتصالًا ماديًا مباشرًا، فإنه يُعتبر عقارًا بالتخصيص.

  • إمكانية الفصل: إذا كان من الممكن إزالة النظام بسهولة دون التأثير على العقار أو دون الحاجة لتعديلات إنشائية كبيرة، فإنه يُعتبر منقولًا، ولا يُعد من مشتملات المبيع.

وبالتالي في ظل هذه التطورات فالعقد هو من سيحدد طبيعة الأنظمة، والأجهزة بدقة لضمان وضوح العلاقة بين الأطراف، وتجنب النزاعات القانونية التي قد تنشأ نتيجة اختلاف التفسير لمفهوم العقار بالتخصيص، ومشتملات المبيع ، أما إيعاز ذلك للعرف فهذه معضلة أخرى فما كان يُعتبر في الماضي منقولًا يمكن فصله عن العقار بسهولة أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من البنية الأساسية للعقار، والقضاء سيكون في موقف معقد، إذ لا توجد أعراف سائدة يمكن الاعتماد عليها، وحتى في حال وجودها، قد تختلف هذه الأعراف من منطقة إلى أخرى، مما يؤدي إلى تفسيرات متباينة للعقد نفسه، ففي المدن الكبرى التي تنتشر فيها العقارات الحديثة والمباني الذكية، قد يكون من الطبيعي اعتبار أنظمة الإضاءة الذكية المدمجة جزءًا من العقار، لكن في مناطق أخرى، قد يُنظر إلى هذه الأنظمة على أنها منقولات يمكن للبائع فصلها قبل التسليم، هذا التفاوت في الأعراف يجعل تفسير العقود أمرًا تقديريًا وقد يقود إلى نزاعات قانونية معقدة، وفي بعض الأحيان، قد لا يكون هناك عرف واضح أصلًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقنيات جديدة لم تتشكل حولها أعراف بعد، فعندما يكون العرف غائبًا أو غير مستقر، تصبح نية الأطراف في العقد العامل الأساسي في التفسير، لكن تلك النية قد تكون غامضة أو غير موثقة بشكل كافٍ، مما يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد الشخصي من قبل القاضي، وقد يؤدي ذلك إلى نتائج متناقضة بين قضايا متشابهة، خاصة إذا اختلفت الأعراف أو لم يكن هناك مرجع واضح يمكن الاعتماد عليه، فعلى سبيل المثال، إذا باع أحدهم عقارًا دون توضيح ما إذا كانت أنظمة الأمان المتقدمة والكاميرات المدمجة مشمولة في البيع، فقد يعتبرها المشتري جزءًا من المبيع، بينما يراها البائع منقولات يمكنه استرجاعها، ففي غياب نص واضح أو عرف مستقر، يصبح تقدير الموقف مسألة اجتهادية قد تختلف من قضية إلى أخرى، وفي حال وجود عرف، فإن تعدده من منطقة إلى أخرى يزيد من تعقيد تفسير العقود، قد يكون العرف في إحدى المناطق اعتبار المطابخ المدمجة بالكامل جزءًا من المبيع، بينما في مناطق أخرى، تُعتبر بعض الأجهزة المدمجة مثل الثلاجات منقولات منفصلة، هذا التباين يؤدي إلى عدم استقرار قانوني، حيث تختلف النتائج القانونية باختلاف المنطقة أو حتى باختلاف الاجتهاد القضائي.
في ظل هذا الوضع المعقد، يصبح الحل الأمثل ما يلي:
1.    تحديد تفاصيل المكونات بدقة في العقود: تجنب ترك الأمور للتفسير أو الاجتهاد من خلال النص صراحة على المكونات التي يشملها البيع.
2.    الرجوع إلى الخبرة الفنية المتخصصةعند غياب العرف، يمكن الاستعانة بخبراء فنيين لتحديد طبيعة المكونات ومدى ارتباطها بالعقار.
3.    تطوير التشريعات: إصدار لوائح تنظيمية تأخذ في الاعتبار المكونات الحديثة والتقنيات المتطورة، لضمان استقرار التفسيرات القانونية وتوحيدها.
السوق العقاري في المنطقة يتطور بشكل تصاعدي وعبر قفزات نوعية، إذ لم تعد المنازل مجرد مساحات سكنية، بل تحولت إلى مراكز ذكية متكاملة، تتفاعل مع ساكنيها وتتحكم في كل تفاصيل حياتهم اليومية، أنظمة الذكاء الاصطناعي، الطاقة المستدامة، وأنظمة الأمان الذكية باتت تشكل حجر الزاوية في تصميم المنازل الحديثة.
في ظل هذا التطور، إذا استمرت الممارسات الحالية دون تحديث، ولم تصدر تشريعات تواكب هذه التطورات التقنية، سنجد أنفسنا أمام مستقبل مليء بالنزاعات بسبب غياب الأطر القانونية التي تحدد بوضوح طبيعة هذه المكونات الذكية هل تُعتبر جزءًا من العقار؟ أم هي منقولات يمكن فصلها وإزالتها؟ 
التقنيات المستقبلية قد تشمل منازل مزودة بأنظمة تحكم ذاتي بالكامل، تدير الإضاءة، التهوية، التدفئة، وحتى الأمن بناءً على البيانات اليومية لسكان المنزل، فكيف سيتم التعامل مع هذه الأنظمة في حال بيع العقار؟ إذا لم يتم النص عليها في العقد، قد يجد المشتري نفسه أمام منزل شبه معطل، لأنه ببساطة فقد الأنظمة التي تتيح له تشغيله.
مع هذا التسارع الكبير في تطور السوق العقاري، يصبح من الضروري أن تتدخل الجهات التنظيمية لوضع تشريعات واضحة تحدد طبيعة المكونات الذكية في العقارات الحديثة يجب أن تكون على النحو التالي:
1.    تعرف بوضوح المكونات الذكية التي تعتبر جزءًا من العقار.
2.    تنظيم العلاقة التعاقدية بين البائع والمشتري، مع إلزام العقود بتحديد مشتملات المبيع بشكل دقيق.
3.    تضع معايير تقنية واضحة لتحديد ما إذا كان النظام المدمج يمكن فصله دون إضرار بالعقار.
في حال غياب مثل هذه التشريعات ستبقى الشروط التعاقدية الأداة الأهم لحماية الأطراف، لكن هذه العقود تحتاج إلى أن تكون أكثر تفصيلًا ومرونة، وتأخذ في الاعتبار المكونات المتطورة التي لم تكن موجودة من قبل؛ فالسوق العقاري في المنطقة لا ينمو بوتيرة طبيعية، بل يتطور عبر قفزات نوعية تجعل من الضروري إعادة النظر في الأسس القانونية التي تنظم هذه العمليات، فمع كل قفزة جديدة، تظهر مفاهيم عقارية جديدة لم تكن موجودة في السابق، وإذا استمر هذا التطور دون مواكبة تشريعية، سنواجه حالة من التراجع القانوني، إذ يصبح الاعتماد على العرف أو التفسير الاجتهادي الحل الوحيد، مما يؤدي إلى تباين الأحكام وغياب الاستقرار القانوني.
في النهاية لن تكون العقود الحالية قادرة على استيعاب هذا التغيرات السريعة، ونحن بحاجة إلى عقود وتشريعات محدثة تواكب التطورات العقارية والتقنية، وذلك لضمان مواكبة السوق عقاري المتطور ، وبما يحمي حقوق جميع الأطراف ويعزز الثقة في المعاملات المستقبلية.
شاركها