توجيهات تنظيمية كريمة تُعيد التوازن للسوق العقاري بالرياض
توجيهات تنظيمية كريمة تُعيد التوازن للسوق العقاري بالرياض
يُعد القطاع العقاري أحد أهم روافد الاقتصاد وأبرزها تأثيرًا في حياة المواطنين، فهو لا يقتصر على كونه محركًا اقتصاديًا فحسب، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة، وتشير الإحصاءات إلى أن القطاع العقاري السعودي يساهم بحوالي 7 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر نحو 40 ألف وظيفة في الاقتصاد، مما يجعله عنصرًا حيويًا في تركيبة الناتج الوطني وداعمًا لقطاعات عديدة أخرى كالبناء والإسكان والخدمات المالية، كما أن توفير السكن الملائم للمواطنين يعد أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها رؤية المملكة 2030م ضمن محور «مجتمع حيوي» لأن السكن ركنٌ أساس لتعزيز الترابط الأسري والمجتمعي ودفع عجلة التنمية البشرية، كما أنه وسيلة مفضلة لاستثمار الأموال في أماكن كثيرة حول العالم، فالدعوات للدخول في هذا القطاع أمر تهدف له الكثير من دول العالم، وتجعل من يستثمر فيه يحظى بمميزات كثيرة منها الحصول على جنسية الدولة ذاتها! كما تنتشر من حين لآخر حملات إعلانية مكثفة لكي يوظف الناس أموالهم المدخرة في الاستثمار العقاري، وتنتشر الكثير من الكتب والدورات العلمية، والبرامج التلفزيونية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي شكّلت دعامة رئيسية لتدفّق رؤوس الأموال إلى هذا القطاع الحيوي الهام باعتباره ملاذاً أكثر أماناً للأموال عبر وضعها في هذه الأصول وانتظار العائد منها، وكذلك فإن ارتفاعها يتم دائما دون كد أو تعب، وقد أثبتت الارتفاعات المتتالية في أسعار العقارات تعزيز قناعة المستثمرين بالاستثمار في هذا القطاع، وجدوى هذه الدعوات المحفزة للدخول فيه وخصوصاً بعد جائحة كورونا، ما يعكس إيمان المستثمرين والمجتمع بأهمية هذا القطاع، وقد ظلّ الاستثمار العقاري لعقودٍ طويلة ملاذًا تقليديًا لحفظ المدخرات وتنميتها، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الأخرى، ومن جهة أخرى فإن تطوير قطاع الإيجار والمنشآت التجارية والسياحية والعمرانية يساهم في إيجاد مدن أكثر حيوية وجذبًا للسكان والاستثمارات على حد سواء. ومن منظورٍ آخر، يُعدُّ العقار حاجة أساسية للفرد، لصيقة باستقرار الإنسان، ومصلحة عامة، تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد الوطني. وانطلاقًا من هذه الرؤية المتكاملة تبنّت المملكة نهجًا شاملًا لإصلاح القطاع العقاري بشكل دوري، يقوم على تحقيق التوازن بين تمكين المواطنين من التملك، وتهيئة بيئة استثمارية منظمة وجاذبة .
التعديلات الصادرة مؤخراً
أبرز ملامح هذه التعديلات تتمثل في رفع نسبة الرسم السنوي من 2.5 % إلى ما يصل إلى 10 % من القيمة السوقية للعقار، وهي خطوة تشريعية حازمة، تهدف إلى الحد من سلوكيات الاحتفاظ غير المُجدي بالأراضي والعقارات دون تطوير. وتُمثل هذه الزيادة أداة ضغط حقيقية على المُلاك؛ لدفعهم نحو الاستخدام الفعلي للأصول، وخصوصًا في ظل الطلب المتزايد على المساكن والمرافق التجارية داخل النطاقات العمرانية في المدن الكبرى. كما تم توسيع نطاق التطبيق؛ ليشمل العقارات المبنية الشاغرة، التي كانت خارج نطاق الرسم في النظام السابق؛ وذلك لمعالجة الثغرات التي كانت تُستغل لبناء وحدات غير مشغولة؛ لأغراض المضاربة أو الادخار العقاري .
ومن التطورات التنظيمية المهمة في هذا النظام توحيد المعايير المتعلقة بالمساحات المستهدفة؛ إذ يُفرض الرسم على كل أرض أو مجموعة أراضٍ تبلغ مساحتها 5,000 متر مربع فأكثر؛ بما يحقق عدالة أكبر في التطبيق، ويمنع تباين المعايير بحسب المناطق الجغرافية .
ولم يعد النظام مقتصرًا على الأراضي ذات الاستخدام السكني أو السكني التجاري فقط، بل شمل كل أرض فضاء قابلة للتطوير داخل حدود النطاق العمراني؛ ما يعزز من كفاءة استغلال الأراضي بجميع استخداماتها .
هذا التوسيع في النطاق من شأنه تحفيز الاستثمار في مختلف القطاعات العقارية، من سكني وتجاري وخدمي، ويحدُّ من حصر التطوير في مجالات محدودة .
وصدور النظام الجديد لرسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة استجابةٌ تنظيمية لحالة التضخم في أسعار الأراضي والعقارات داخل النطاق العمراني لمدينة الرياض. وقد أسهمت الممارسات الاحتكارية والاحتفاظ الطويل بالأراضي دون تطوير في رفع الأسعار إلى مستويات لا تعكس القيمة الحقيقية، ولا تتوافق مع القدرة الشرائية للفئات المستهدفة من برامج الإسكان والتنمية. ومن هذا المنطلق جاءت التعديلات الأخيرة كأداة لإعادة التوازن إلى السوق، من خلال تحميل مُلاك العقار الذين يكتنزون الأراضي الفضاء والعقارات غير المشغولة عبء الكلفة الاقتصادية الناجمة عن التعطيل المتعمد للأصول العقارية .
وتُفهَم هذه التعديلات كذلك في سياق أوسع، يرتبط بالسياسات المالية والاقتصادية لمواجهة آثار التضخم.. فبدلًا من التدخُّل المباشر في التسعير، أو فرض قيود على حركة السوق، جاءت القرارت للتطوير والتداول الفعلي له، وفق حاجة السوق من العرض والطلب. وقد أثبتت التجارب الدولية أن فرض رسوم على الأصول غير المستغلة يُعد من أنجع الوسائل لتحقيق العدالة، وتحفيز السوق على التصحيح الذاتي؛ وبذلك يمكن اعتبار التوجيهات الكريمة والتعديلات الصادرة مؤخرًا ليست مجرد تحديث تشريعي، بل خطوة استراتيجية ضمن سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى ضبط التضخم العقاري، وتحقيق كفاءة أعلى في تخصيص الموارد، بما ينسجم مع السياسات الإسكانية والمالية الرشيدة التي تنتهجها المملكة .
ومن المتوقع أن تُسهم هذه الخطوة في تسريع وتيرة المشاريع التطويرية، وخفض الأسعار تدريجيًّا عبر زيادة المعروض الفعلي من الأراضي والوحدات الجاهزة، مع ما يتطلبه ذلك من دور رقابي فعّال، يضمن التطبيق العادل، ويعزز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء في نزاهة وشفافية المنظومة العقارية بالمملكة .
ما صدر عن مجلس الوزراء من تعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة لا يُعد إجراءً محليًّا استثنائيًّا، بل يُمثل جزءًا من اتجاه عالمي متسق، تتبعه العديد من الدول لضبط السوق العقارية، ومنع الاحتكار وتعطيل التنمية .
فتقييد ملكية العقارات المتعددة، وفرض رسوم أو ضرائب على الأراضي أو الوحدات الشاغرة، وتوسيع نطاق الرسوم لتشمل العقارات المبنية غير المستغلة، كلها أدوات تشريعية، ثبتت فاعليتها في كبح ظاهرة الاحتفاظ غير المنتج بالأصول العقارية، وردع المضاربة قصيرة الأجل، وتحفيز حركة التطوير والبناء .
وقد سبقت دول كبرى، مثل كندا وسنغافورة والصين ونيوزيلندا، في تنفيذ هذه السياسات، التي تهدف جميعها إلى إعادة توجيه سلوك المستثمرين والمُلاك نحو الاستخدام الفعلي للعقار، بما يخدم أهداف التنمية العمرانية .
وفي هذا السياق يبرز التعديل الذي أجرته المملكة العربية السعودية على نظام رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة بوصفه استجابة تنظيمية متقدمة، تتناغم مع هذا التوجه العالمي المتصاعد لضبط الأسواق العقارية، ومنع الاحتكار.. فرفع نسبة الرسم إلى ما يصل إلى 10 %، وتوسيع النطاق ليشمل العقارات المبنية غير المستغلة، وتوحيد المعايير الخاصة بالمساحات، جميعها تعكس إدراكًا لطبيعة الخلل الذي تعانيه الأسواق العقارية الدولية، ومعالجةً استباقية لتكرار سيناريوهات تضخم الأسعار وغياب التنافس في السوق المحلية .
وإن المملكة من خلال هذه الصناعة لا تواكب العالم فحسب، بل تُسهم في صياغة نموذج تشريعي متزن، يجمع بين الحزم في مواجهة السلوك العقاري غير المنتج، والعدالة في فرض الالتزامات على جميع المُلاك .
فلم تعد مسألة ضبط السوق العقارية تقتصر على قضايا التخطيط أو تحفيز الاستثمار، بل أصبحت مسألة أمن وطني واقتصادي.. وقد ثبت في أكثر من تجربة دولية أن ترك السوق دون تدخُّل تنظيمي يُفضي إلى ممارسات تضرُّ بالمستهلك. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث مؤخرًا من دعاوى قضائية. فعلى سبيل المثال، رفعت وزارة العدل الأمريكية وولاية نيوجيرسي في إبريل 2025 ضد شركة RealPage وعدد من كبار المُلاك العقاريين دعوى تتهمهم بالتواطؤ في رفع الإيجارات، وتنسيق الأسعار بين المستثمرين، ومنع التنافس في خفض الإيجارات.. وفي سياق آخر رفضت المحكمة العليا الأمريكية دعوى مناهضة لقانون تثبيت إيجار العقارات في مدينة نيويورك، الذي يحدد زيادات الإيجار، ويقيد قدرة المُلاك على إخلاء المستأجرين .
وقد أدى تثبيت الإيجار الذي أُقر عام 1969 إلى توفير المساكن بأسعار معقولة في نيويورك. ويشمل ذلك المباني المشيدة قبل عام 1974، التي تحتوي على ست وحدات سكنية أو أكثر؛ ما يغطي نحو مليون شقة، أي ما يقرب من نصف إجمالي الشقق المؤجرة في المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الولايات المتحدة .
القطاع العقاري السعودي في الأعوام الأخيرة شهد سلسلة من الإصلاحات التنظيمية والتشريعية غير المسبوقة، هدفت إلى تصحيح اختلالات السوق، وتعزيز الشفافية وجذب الاستثمارات، وقد جاءت هذه الإصلاحات كجزء من برنامج التحول الوطني ورؤية 2030م، حيث وُضعت الأطر القانونية الحديثة لتواكب نمو القطاع وتطوره السريع، ومن أبرز هذه الإصلاحات فرض رسوم على الأراضي البيضاء في عام 2016م بمقدار 2.5 % من قيمة الأرض غير المطورة داخل النطاق العمراني للمدن، بهدف تشجيع ملاك الأراضي على تطويرها أو عرضها للبيع لمنع احتكار الأراضي ورفع تكلفة الإسكان، كما أُطلقت مبادرات لتيسير عمليات بيع وشراء وتسجيل العقارات عبر منصات إلكترونية متطورة، ومن ذلك تطوير أنظمة السجل العقاري الإلكتروني لتعزيز موثوقية توثيق صكوك التملك وتقليل النزاعات، وفي عام 2017م تأسست الهيئة العامة للعقار لتكون الجهة التنظيمية المشرفة على القطاع، وتقوم بوضع المعايير والإجراءات لقطاعي التطوير العقاري والوساطة العقارية وغيرها، سعيًا لتوحيد الجهود وتنظيم السوق بشكل أشمل، وبعد ذلك تم تنظيم نشاط البيع على الخارطة (برنامج «وافي») بوضع إطار قانوني يحمي حقوق المشترين والمطورين ويضمن اكتمال المشروعات وفق المواصفات والزمن المحدد، وقد أُلزمت شركات التطوير العقاري بالحصول على تراخيص للبيع المبكر للوحدات السكنية، وإيداع أموال المشترين في «حسابات ضمان Escrow» تشرف عليها الهيئة لاستخدامها في أعمال البناء والدفع للمطورين بشكل مرحلي بحسب إنجازهم والتزامهم ببنود العقود التي يبرمونها. وقد أدخلت هيئة السوق المالية مفهوم صناديق الاستثمار العقاري المتداولة (REITS) بدءًا من عام 2016م، مما أتاح قناة استثمارية منظمة للجمهور العام والمؤسسات، للاستثمار في العقار بشكل غير مباشر، إضافةً إلى ذلك، شهد عام 2020م خطوة جوهرية، بعد أن تم إعفاء صفقات البيع العقاري من ضريبة القيمة المضافة (%15) واستحداث ضريبة التصرفات العقارية بنسبة %5 بدلاً عنها، مع إعفاء خاص لمشتري المسكن الأول حتى مليون ريال، وجاءت هذه الخطوة لتخفيف العبء عن المشترين، ودعم حركة البيع والشراء، وفي نفس الوقت إيجاد إيرادات مستدامة دون الإضرار بجاذبية السوق، وفي إطار تعزيز الشفافية وحماية الحقوق تم تطوير منصة «إيجار» الإلكترونية لتوثيق عقود الإيجار السكني والتجاري بشكل إلزامي، وقد وفّرت هذه المنصة مظلة قانونية تنظم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، إذ أصبحت العقود الموثقة عبرها عقودًا تنفيذية يمكن إنفاذها قضائيًا مباشرة، مما ساهم في تقليص المنازعات وتسريع استعادة الحقوق لأي من الطرفين، والهدف من أن يكون العقد «سندًا تنفيذيًا» أي أنه مستند يُنفذ مباشرة - ولو بالإجبار - عبر محاكم التنفيذ، دون الحاجة إلى رفع دعوى قضائية جديدة لإثبات الحق وإطالة التقاضي أمام المحاكم على أموال محددة وعقود واضحة. كما ألزمت التشريعات الجديدة عبر المنصة إيداع مبالغ الضمان وتحصيل الإيجارات إلكترونيًا، ما عزز من انضباط السوق وسهّل متابعة الالتزامات المالية على جميع الأطراف، ويُعد هذا التنظيم بمثابة تطبيق محلي مبتكر لمفهوم «حسابات الضمان » (Escrow) ، حيث تُودع مبالغ الضمان في قنوات محايدة تُحرَّك فقط وفقًا لشروط التعاقد، مما يحفظ حقوق الطرفين ويُقلّص فرص التلاعب، وتتضمن وثائق العقد في شبكة «إيجار» رقم سجل العقد، وهو رقم إلكتروني يُنشأ تلقائيًا من قبل الشبكة، ويُعد رقمًا مرجعيًا يُستخدم في المتابعة والاستعلام، ويُعتمد في جميع المراسلات والتعاملات ذات الصلة، كما تم تعديل بعض الأنظمة لتعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي في العقار، فتم السماح لغير السعوديين بالاستثمار وتملك العقارات ضمن حدود وضوابط معينة في المشاريع النوعية والمناطق الاقتصادية الخاصة، وأُزيلت العديد من القيود السابقة عن التملك العقاري لغير السعوديين، وكذلك البيع على الخارطة – كأداة واعدة في طريقها للنضج الكامل من أبرز المبادرات الحديثة التي تبنتها المملكة لتوسيع قاعدة التملك، وتحفيز التطوير العقاري بأسلوب تمويلي مرن ومبني على الثقة، وقد شكّل إطلاق برنامج «وافي» خطوة مهمة نحو ضبط هذا النمط من البيع، من خلال وضع ضوابط صارمة تتعلق بترخيص المطورين، وإيداع الدفعات في حسابات ضمان، والربط الرقمي بين الجهات المعنية، بما يحقق موازنة دقيقة بين مصالح الأطراف. وإذا كانت التجربة لا تزال في طور التكوين، فإن المؤشرات الأولية تدل على أن البيع على الخارطة يمثل فرصة استثمارية وتشريعية واعدة، تُمهّد لمستقبل أكثر مرونة واستقرارًا في السوق، ويفتح المجال لتطوير مشروعات نوعية دون الحاجة إلى تمويل تقليدي مباشر في مراحلها الأولى، وقد وفّر هذا النمط من البيع حلولًا مبتكرة لمشكلة ارتفاع أسعار العقارات الجاهزة، وأتاح للمواطنين الدخول المبكر في مشاريع بتكاليف مخفضة نسبيًا، مع ضمانات قانونية ومالية تُشرف عليها الجهات المختصة، كما شجع على التخطيط العمراني المسبق ورفع مستوى حوكمة السوق، لا سيما في ظل تزايد الثقة بالأنظمة الرقابية والتنظيمية التي تحيط بهذه العمليات، وما زال هذا المسار يحمل في طيّاته آفاقًا أوسع للتطوير، سواء على صعيد إشراك مؤسسات التمويل بشكل أوسع في مرحلة ما قبل التنفيذ، أو في تنويع المنتجات العقارية المبيعة أو المعروضة للبيع، بما يشمل العقارات التجارية والخدمية، وربما حتى مشاريع الاستئجار المسبق، إننا أمام نموذج سعودي مميز في طور النضج، لا يزال يتلمّس أدواته القانونية والعملية، لكنه بلا شك يبشر بمرحلة جديدة من تكامل العرض والطلب، مدفوعة بالتنظيم والابتكار والتوازن التشريعي .
التمويل العقاري
يُشكِّل تمويل الأفراد في القطاع العقاري إحدى أبرز الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتحقيق التمكين السكني وتحفيز النمو الاقتصادي؛ إذ تُسهم برامج الإقراض العقاري في تمكين شريحة واسعة من المواطنين من تملُّك مساكنهم، كما تُنشّط الحركة العمرانية، وتدعم سلاسل الإمداد المرتبطة بالبناء والتشييد.. إلا أن التوسع في التمويل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل ارتفاع الأسعار بشكل مفرط، وتضخُّم السوق .
وفي هذا السياق تبرز التجربة الأمريكية كمثال مهم لكيفية تأثير السياسات التمويلية على سوق العقار، وكيف يمكن للقانون أن يكون أداة فاعلة في تصحيح المسار عند وقوع الأزمات .
فخلال العقد الأول من الألفية شهدت الولايات المتحدة طفرة كبيرة في تمويل العقارات، مدفوعة بتسهيلات مصرفية واسعة، وتراخٍ في إجراءات التقييم الائتماني؛ ما أدى إلى تضخُّم أسعار العقارات بشكل غير مسبوق، وارتفاع مستويات الديون العقارية .
غير أن القانون الأمريكي، الذي يُطبق نظام "الرهن غير القابل للرجوع " (Non-recourse mortgage) لعب دورًا جوهريًا في فرض تصحيح حتمي للسوق.. فبموجب هذا النظام إذا تعثر المقترض، ولم تعد قيمة العقار تغطي القرض، يُمكنه التخلي عن العقار دون أن يُطالَب بسداد الفارق، ويكون العقار هو الضمان الوحيد للبنك .
هذا الإطار القانوني وضع المؤسسات التمويلية أمام مسؤولية مشتركة؛ فدفعها إلى مراجعة سياساتها الداخلية، وتطوير أدوات التقييم، والامتناع عن المغامرة في منح القروض دون دراسة دقيقة للملاءة المالية .
وبالرغم من أن الأزمة المالية التي أعقبت هذا التضخم كبّدت القطاع المصرفي خسائر كبيرة إلا أنها ساعدت على استعادة التوازن، وتأسيس بيئة تمويل أكثر نضجًا واستقرارًا .
إن مما يشغل التفكير بين الاقتصاديين مدى التوازي بين ارتفاع نسبة تملك المواطنين للعقار وبين توفر وانخفاض المساكن المعدة للإيجار سواء لمن يقطنون في مدن غير المدن التي تملكوا فيها المساكن عبر وزارة الإسكان أو غير المستحقين للدعم السكني، وهذا المحور يعد من الأمور المهمة في نقاشات التنمية الإسكانية في المملكة، إذ يرتبط الأمر بثقافة اجتماعية واقتصادية ممتدة لعقود، وقد كان تملّك المسكن هو الخيار المفضّل والأكثر انتشارًا بين الأسر السعودية، مدفوعًا برؤية اجتماعية تعتبر تَمَلُّكَ المنزل رمزًا للاستقرار والأمان ومصدر فخر للعائلة، وقد عززت الدولة هذا التوجه عبر عقود من خلال برامج الإقراض الميسر والمنح السكنية والأراضي المجانية، ولكن في المقابل، يبرز قطاع الإيجار كسوق حيوي وضروري لا يمكن الاستغناء عنه في أي اقتصاد متوازن، فهو يلبّي احتياجات شريحة كبيرة من المجتمع، وخصوصاً من الشباب حديثي الزواج، والموظفين المنتقلين بين المدن، وكذلك من المقيمين الأجانب الذين يساهمون في عجلة الاقتصاد، كما أنه يقر بحق المالك في عائد مالي عادل .
ومن ضمن الحزمة الإصلاحية العقارية 2025م التي أُعلن عنها، يأتي تحديث نظام الإيجارات لضمان علاقة عادلة ومتوازنة بين الملاك والمستأجرين، ويشمل ذلك ربما مراجعة أطر إنهاء العقود وتحديد المسؤوليات، وفض المنازعات بشكل أسرع وأكثر حيادية، ومن المهم الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من السكان ستبقى بحاجة إلى سوق إيجار فعّال حتى مع تحقيق مستهدفات التملك، فبحلول 2030م ومع النمو السكاني والعمراني، سيظل هناك عشرات وربما مئات الآلاف من الأفراد والأسر الذين يفضّلون أو يضطرون لخيار الإيجار، لذا فإن إيجاد منظومة إيجارية مستقرة سيكون مكملًا لجهود رفع نسب التملك، لضمان أن كل فرد أو أسرة تستطيع الوصول إلى مسكن ملائم سواء عن طريق الشراء أو الإيجار، ولعل الفلسفة الكامنة وراء ذلك حرية الاختيار للمواطن في أن يختار نمط السكن المناسب له دون أن يشعر أن أحد الخيارين أقل قيمة أو حماية من الآخر، فالتملك يمنح الأمان الطويل الأمد وتكوين الأصول على المدى البعيد، بينما يوفّر الإيجار مرونة أعلى وقدرة على التنقل وخفض الالتزامات المالية المباشرة. أن الغاية المنشودة تتحقق عبر تشجيع القطاع الخاص على تطوير مجمعات سكنية للإيجار بمواصفات عالية توفر جودة حياة للسكان المستأجرين لا تقل عن تلك المتاحة للمالكين، وكذلك عبر برامج الدعم السكني التي تشمل إعانات للإيجار لمن هم أكثر حاجة (مثل برنامج دعم الإيجار لمستفيدي الضمان الاجتماعي)، وبهذا النهج المتكامل، يصبح قطاع الإسكان بشقّيه (التملك والإيجار) قادرًا على استيعاب الاحتياجات المتنوعة للمجتمع السعودي المتنامي، مما يحقق الاستدامة والشمولية في التنمية السكنية. إن الوصول إلى معادلة متوازنة كهذه يعني في نهاية المطاف تعزيز جودة الحياة للمواطن والمقيم، وخلق سوق إسكان مرن يتكيّف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية بسلاسة، وهو ما يتوافق تمامًا مع مستهدفات رؤية 2030م .
تنظيمات مرتقبة
هناك تشريعات سوف تصدر بالمنظور القريب -تناولتها وسائل الإعلام- تتنبأ بصدور نماذج تخطيط عمراني مستحدث لاسيما في الأحياء السكنية القائمة، والمناطق التي اكتملت فيها البنية التحتية أو يعاني سكانها من بُعد أماكن الخدمات، فقد بات من الواضح أن توجه التشريعات القادمة هي للتوسع الرأسي؛ لأن الاستمرار في التوسع الأفقي يؤدي إلى أعباء مالية متزايدة، سواء على مستوى إنشاء شبكات الطرق والمياه والكهرباء، أو من حيث صيانة المرافق وتشغيلها على المدى البعيد، وفي المقابل فإن تبني نماذج عمرانية أكثر كفاءة، تقوم على تطوير أحياء مدمجة الاستخدامات، وذات كثافة سكانية متوازنة، ضمن نطاقات عمرانية محددة، يُعد خيارًا عمليًا يحقق وفرًا اقتصاديًا كبيرًا، ويسهم في تحسين جودة الحياة، وتسهيل وصول السكان إلى الخدمات دون الحاجة للتنقل لمسافات طويلة، هذا التوجه يستدعي إطارًا تشريعيًّا وتنظيميًّا متجددًا، يُمكّن الجهات المختصة من تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل الحضري، وتطوير الأحياء القائمة بطريقة أكثر مرونة وكفاءة، فمن المهم أن تراعي اللوائح التنظيمية مستجدات الواقع العمراني، من خلال مراجعة ضوابط التراخيص، وتحديث أنظمة البناء، وتفعيل آليات اعتماد المخططات بناءً على أولويات التنمية ومقومات كل منطقة. كما أن نجاح مشاريع إعادة التنظيم العمراني سيكون عبر عدة قرارات تنظيمية تنظم العلاقة بين الأطراف ذات الصلة، كالمطورين والملاك والجهات الحكومية، مع ضمان وجود آليات شفافة للتعويض، ورسوم تحسين محددة تُستخدم في تمويل التطوير، ونماذج تشاركيّة تُسهم في تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في مشاريع تأهيل الأحياء، ومن المؤشرات الإيجابية في هذا الإطار شروع بعض الجهات في تحديث أنظمة ذات صلة، كتطوير كود البناء السعودي ليتناسب مع الكثافات الجديدة، وتحديث ضوابط التصرف في العقارات البلدية .
التطلعات للمستقبل
ولا تزال التطلعات للمستقبل كبيرة بحجم طموح الرؤية نفسها، فمن المتوقع خلال السنوات القادمة أن يستمر نمو المعروض السكني ليواكب الطلب المتزايد مدفوعًا بالنمو السكاني وتحسّن مستوى الدخل، وتشير التقديرات إلى الحاجة إلى بناء نحو 1.2 مليون وحدة سكنية إضافية بحلول عام 2030م لتلبية الطلب المتنامي، وإن مستقبل القطاع العقاري السعودي مرهون بقدرته على الابتكار ومواكبة المتغيرات العالمية أيضًا، ومعالجة كل حالة من الحالات وكل مدينة بأنظمة تتواكب معها وبشكل مستقل، وتمثل استراتيجية الرياض أحد أهم المسارات التنموية المنتظرة من سكان العاصمة، وفي هذا السياق أوضحت الهيئة الملكية لمدينة الرياض أن العمل على إعداد استراتيجية العاصمة لا يزال قائمًا، وذلك نظرًا لحجمها الكبير، وتشعُّب محاورها، وعدم اكتمال بعض العناصر الأساسية فيها بعد، ويعكس هذا التوجه حرص الجهات التنظيمية على تقديم رؤية شاملة ومتكاملة، تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030م، وتستجيب للتحولات السريعة التي تشهدها المدينة .
قائمة بـ 15 قاعدة قانونية عالمية تُسهم في ضبط الأسواق العقارية ومكافحة المضاربة والاكتناز .

