المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

بمناسبة اليوم العالمي للقانون: القانون بين الجذور الشرعية والنظم الإنسانية

بمناسبة اليوم العالمي للقانون: القانون بين الجذور الشرعية والنظم الإنسانية

Screenshot 2025-11-30 145948
 

بمناسبة اليوم العالمي للقانون: القانون بين الجذور الشرعية والنظم الإنسانية

القانون هو عملٌ إنسانيٌّ مستمدٌّ من وحيٍ رباني. تُصاغ من خلاله آلياتُ تنظيمِ علاقات البشر والدول، ويضع الميزان الذي يمنع الفوضى، ويمنح الحياة شكلًا يمكن إدراك أبعاده. ولعلَّه من أكثر العلوم التي وردت فيها نصوصٌ شرعيةٌ صريحة، على خلاف كثيرٍ من العلوم الأخرى التي تُركت لاجتهاد العقل، فجاءت أحكامُه مفصَّلةً لتكون مرجعًا ثابتًا يهتدي به. إنّه السعي إلى الترتيب، وردع الظلم، والفصل بين القوى المتنازعة، ولذلك تفاصيلُه كثيرةٌ وأقسامُه متشعّبة، والعملُ فيه شاق، وهو مرآةٌ للوعي وصدىً للأحلام والمخاوف؛ فإذا صحّت مرجعيته استقام، وإذا فسد ميزانه ضلّ وأضلّ .
ومن أراد أن يدرس القانون حقًّا، فعليه أن يحيط بهيكله الكلي، فيفهم تقسيماته بين العام والخاص، ويميز بين فروعه الدولية التي تنظّم علاقات الدول ومعاهداتها، وداخليته التي تحكم شؤون الأفراد والمؤسسات داخل الدولة. فالقانون العام يتناول علاقة الدولة بمواطنيها وبغيرها من الدول وما يتفرع عنه من الدستوري والإداري والجنائي، بينما يركّز القانون الخاص على العلاقات بين الأفراد من مدني وتجاري وأحوال شخصية، ويضيف القانون الدولي العام قواعد التعامل بين الدول، والدولي الخاص لحل تنازع القوانين في المعاملات العابرة للحدود. إن إدراك هذا البناء يمنح الدارس خريطةً شاملة يرى من خلالها ترابط الفروع وتكاملها، ويمكّنه من فهم انتقال المبادئ من النصوص إلى الواقع، ومن النظام المحلي إلى الساحة الدولية .
في العالم الإسلامي وُلد القانون من رحم الشريعة، وهو قانون لأنه تقنينٌ لنص بصيغة مباشرة، أو لقولٍ راجحٍ من أقوال الفقهاء يختاره وليّ الأمر لرفع الخلاف وتحقيق المصلحة، مع بقاء النص الإلهي سقفًا لا يُتَجَاوز. وقد أذن الشرع للناس أن يشرّعوا فيما لا نصّ فيه بشرطين لا فكاك منهما: ألّا يمسّ التشريعُ ما نصّ الوحيُ عليه نصًا قاطعًا، وألّا يخالف المبادئ القطعية الكونية التي يعرفها ويعيشها البشر، ويرفضها مثل تحرّيم الظلم، وما يثير الكراهية، والتمييز وغيرها مما يوجب رفع الضرر ويصون وحدة الجماعة .
وفي مجتمعاتٍ أخرى سلك القانون دروبًا مختلفة؛ إذ تبدأ العملية بومضة لفكرةٍ مجردة تتطور إلى نظريةٍ شاملة، ثم تُترجم إلى نصوصٍ تشريعية تُعرض على البرلمانات لتأخذ قوة الإلزام وتتحول إلى منظومةٍ حاكمة للعلاقات. وهي دروبٌ يتداخل فيها الصحيح وغيره، فيبلغ بعضها غاية المصلحة العامة، ويقتصر بعضها على مصالح وقتية أو رؤى محدودة. إنه إعلانٌ عن إرادة بشرية مستقلة في رسم قواعدها، تختبر من خلالها قدرتها على الابتكار وتحديد مسارها القانوني .
وفي ميادينَ دولية مختلفة جاءت الاتفاقياتُ والمعاهداتُ في مقدّمة الاهتمام التشريعي؛ حيث وُضعت الأطر التي توازن بين مصالح الدول وتضمن استقرارَ التبادل العابر للحدود، وهذا المسار لم يقتصر على سنِّ القواعد، بل نسج شبكةً من العهود والمواثيق ربطت العالم برباطٍ قانونيٍّ؛ فأصبحت الدول تتحرك ضمن التزاماتٍ متبادلة تفرض عليها مواقف محددة وتمنحها مراكز قانونية واضحة .
أما على الصعيد الداخلي كان للتشريعات دور لتنظيم علاقات البشر وحاجاتهم المتسارعة، ومكافحة الجرائم، ثم سنّت قوانين تُعنى باستدامة العيش، وأعقب ذلك ضبطُ مجالاتِ حديثة بأنظمةٍ تحمي الحقوق، ليلتقي كلُّ ذلك مع منظوماتٍ تؤطّر الممارسات المدنيةَ والتجاريةَ، وسائرِ المعاملات المستحدثة التي تؤمّن انسيابَ التبادل، وتحفظ المراكز القانونية في أسواقٍ ومدنٍ ودولٍ .
ومع هذا كله فإنه من المؤسف أن تاريخ القوانين مليءٌ بأمثلةٍ قانونيةٍ بشّرت بحرية الإنسان فانتهت إلى تفكيك الأسرة في لحظاتِ اغترارٍ بالقدرة على توجيه المجتمعات بعيدًا عن روح الفطرة، أو شرّعت الاحتكار فخلقت الفقر، أو أضفت الشرعية على العنصرية والاحتلال، قبل أن تنكشف النتائج وتعود الشعوب—بوعيٍ أو من غير وعي—إلى البحث عن مرجعٍ يتجاوز أهواء البشر .
النصوصُ مهما سمت لا تساوي شيئًا إن لم تتحوّل إلى واقع؛ والقانونُ تظلّ قيمتُه الحقيقيةُ في اللحظة التي يلمس فيها الانسان أثرَه في الشارع، وفي المحكمة، وفي السوق. ولهذا يصبح تطبيقُ القانون الامتحانَ الحقيقيَّ لفعاليته؛ ولا يكتمل ذلك من دون أجهزةٍ تنفيذيةٍ تُمضي غاياته، وبهذا تتكون ثقافةٍ مجتمعيةٍ تؤمن بأن احترام القانون مصلحةٌ للجميع .
ثَمّةَ مستوى يعلو على القانون، لا تبلغه النصوص ولا تُقاس به الموازين: مستوى الفضل والإيثار؛ حيث يختار الإنسان أن يُعطي أكثر ممّا يطالبه القانون، وفي مثل هذه اللحظات يتكشّف أن العدل ليس الغايةَ القصوى بل هو الدرجةُ الدنيا التي تضمن سلامةَ المجتمع؛ أمّا الغاية فهي الإحسان: أن تُعطي قبل أن تُسأل، وأن تعفو وأنت قادرٌ على الانتقام، وأن ترى في العطاء فرحًا يسعد صاحبَه ويمنع ضررَ غيره .
ومما سبق يتضح أن القانون منه أصلٌ جاء بوحيٍ إلهي خالص يضع القاعدة قبل أن يقع الحدث، ومنه مصالحُ وتفصيلاتٌ نشأت من نظرياتٍ إنسانيةٍ راشدة تُحَقِّق العدل وتنشده، فتتكامل المصادر السماوية مع الاجتهادات البشرية لتصنع منظومةً تجمع بين ثبات القيم ومرونة التطبيق، وتستجيب لحاجات المجتمعات المتجددة في سعيها الدائم إلى تحقيق الإنصاف وحفظ الحقوق .
شاركها