المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

"الوصية" حوكمة مالية لما بعد الحياة تحمي رأس المال وتحفظ الأسر من التفكك

"الوصية" حوكمة مالية لما بعد الحياة تحمي رأس المال وتحفظ الأسر من التفكك

Screenshot 2025-11-30 145948
 

"الوصية" حوكمة مالية لما بعد الحياة تحمي رأس المال وتحفظ الأسر من التفكك

حين يبدأ رجل الأعمال أو التاجر أو حتى مالك الأصول التفكير في المستقبل، يدرك أن الثروة تحتاج لإدارة مستقبلية واضحة، وخطة تساهم في الحد من المخاطر التي تؤثر على استمرارية النهج الذي يرغب في مضيء من بعده عليه، وهنا تتجلّى القيمة الحقيقية للتخطيط المسبق، فالممارسات اليومية من إدارة وتشغيل وآليات عمل، وعلاقات وتجارب لا تكتب - بل في الغالب - تعتبر سببًا من أسباب الحفاظ على الثروة، ولذلك فإن ما يُترك غدًا من وضوح في التوجيهات يحد من النزاعات المستقبلية ومن التخبط، ويعزّز مقاصد صاحب الثروة في أذهان من حوله! ومن هذا المنطلق يجب أن ننظر للوصية كأي ورقة مالية أو لائحة تنفيذية رغم ما يواجهه كثيرون، من عوامل نفسية دقيقة تمنعهم من كتابة وصيتهم رغم إدراكهم أهميتها.  
ورغم غياب إحصاءات رسمية منشورة حول نسبة من يحررون وصاياهم في المملكة، إلا  أن بعض الدراسات الميدانية والتقديرات البحثية، أشارت في وقت سابق إلى أن نسبة محرري الوصايا  كانت تدور حول 35 – 37 % من المجتمع، غير أن هذه النسبة يبدو أنها في انخفاض خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تغيّر أنماط الحياة، وضعف الوعي بأهمية التوثيق النظامي، مما يعمّق الفجوة بين الحاجة الفعلية للتخطيط وبين الواقع العملي .  
يتردد البعض في أخذ المبادرة لإنجاز الوصية، وذلك لأنها تذكّرهم بنهاية الحياة، أو باقتراب الرحيل، فمن أمضى عمره في التوسع والبناء بينما عقله ما زال يعمل بعقلية النمو والاستثمار يجد صعوبة في التفكير بلحظة التوقف، فيتجنب الحديث عن الوصية لأنها تمثل لديه قرارًا صعبًا أو فألًا سيئًا، بل إن هناك من يربط وصيته بمفهوم الخسارة، وهذا الشعور بالخوف من "التنازل" عن الإدارة يولّد مقاومة داخلية تدفعه لتأجيل الكتابة إلى الغد، والغد إلى إشعارٍ آخر، حتى يمرّ العمر بلا وصية واضحة .  
عامل آخر، هو حساسية العلاقات الأسرية، فالبعض يخشى أن تُفهم وصيتهم على أنها تمييز أو تفضيل، فيخافون من ردّة فعل الأبناء أو الزوجة أو الشركاء، فيختارون الصمت بدل الشرح، بينما الكتابة الواضحة تزيل الغموض وتحمي الجميع .  
وهناك من يتوهم أن الوقت ما زال مبكرًا، لأنهم يربطون كتابة الوصية بالمرض أو الشيخوخة، فيؤجلونها بحجة أنهم ما زالوا في عزّ  نشاطهم، لكن الحقيقة أن الوصية ليست وداعًا، بل أداة تنظيم للأصول تُكتب في زمن القوة لتُنفذ في زمن الغياب، وليست ورقة نهائية بل قابلة للتعديل والتغيير، لأنها تحتاج أيضًا تحديثًا دوريًا كأي وثيقة مالية متحركة، أو محفظة استثمارية، كلما تغيّر أصل، أو أُضيفت شركة، أو تم بُيع عقار، أو ارتفعت قيمة حصة، وجب مراجعة الوصية وتعديلها لكي تبقى الوصية مرآة حقيقية للواقع المالي، وتبقى صالحة للتنفيذ دون خلاف أو تأخير .  
البعض كذلك يتأثر بعامل الثقة، ويشعر أن كشف تفاصيل الأصول أو الأموال في وصية رسمية قد يعرّضها للاطلاع أو التدخل، فيفضّل الاحتفاظ بالمعلومات في رأسه كحل لكنه أيضًا مخالف للواقع! فهذا النوع من التفكير يقوم على الخوف من تسرب السر، لكنه في الحقيقة يعرّض الثروة للتشتت، لأن غياب الوثيقة يجعل كل شيء في حكم المجهول.  
الثروة قد تكون أرقامًا في حسابات بنكية يسهل التعامل معها، إما بسداد الأموال المدينة لمستحقيها، أو تقسيمها، أو أصولًا  عقارية أو أسهمًا أو حصصًا في شركات، أو أموالًا تتحرك وتزيد وتنقص! وهنا مكمن الخلل، فإذا أُحسن توجيهها، وتنقص إذا تركت! والوصية هنا تتحول من وثيقة شرعية إلى أداة إدارة استراتيجية، تحدد كيف يُدار الإرث، وتمنع أن تتحول الأموال إلى سبب للتنازع أو لتعطّل المشاريع القائمة، إذا يمكن وصف الوصية في الحقيقة أنها من مجرد إرشادات ورؤى إلى حوكمة مالية إلى ما بعد الحياة، فمن خلالها تُوزّع المسؤوليات، وتُنفّذ الالتزامات، ويُحمي رأس المال وتحفظ - بإذن الله - الأسر من التفكك .  
غياب الوصية المتقنة يؤدي غالبًا إلى انقسام بين الورثة، وتضارب المصالح بين المستفيدين، وفقدان السيطرة على القرار، بينما وجود وصية موثقة، ودقيقة في تفاصيلها، تضمن انتقال الملكية، ومعرفة الحقوق، وتقسيم المسئوليات وتُبقي اسم العائلة دون نزاعات، فالوصية تبدأ بحصر كل أصل، كبيرًا  كان أو صغيرًا، لأن التفاصيل الصغيرة تحفظ الصورة الكبيرة، من العقارات داخل المملكة وخارجها، إلى الأسهم والحصص في الشركات، إلى الحسابات البنكية، والتحف، والأصول المنقولة، والديون المستحقة أو المستحقة للغير .  
كل بند يُدرج في الوثيقة بوضوح كما تُدرج البنود المالية في تقرير تدقيق سنوي، وهذه الخطوة تمنع أي ورثة من الجدل حول الوجود أو الملكية أو القيمة، ثم تأتي المرحلة الثانية : تحديد المقصود بالوصية، هل هي لوصية خيرية؟ هل يُراد بها تخصيص حصة لشخصٍ محدد؟ هل تتعلق بمؤسسة أو  وقف؟ كل إجابة تحتاج صياغة دقيقة تحدد النسبة، والمكان، وطريقة التنفيذ، والجهة المسؤولة عن المتابعة، واللغة الدقيقة هنا تصنع الفارق بين وصية ناجحة ووصية متنازع عليها .  
من الحكمة أيضًا إبلاغ من تشملهم الوصية بما تتضمنه، ولكن بشرط أن يعزز ذلك من وضوح الوصية ويساعد في تنفيذها، مع تحديد التدرج والمسؤوليات بين من يُنفّذونها فعليًا أو من أُوصي لهم بها، فمنفّذ الوصية أو من كُلّف بمتابعتها بمثابة الذراع التنفيذية التي تتعامل مع الأنظمة الرسمية، والجهات الحكومية، والمصارف، والورثة، ولذا يُستحسن أن تتوافر فيهم صفات الخبرة، والانضباط، والقدرة على اتخاذ القرار، وأن العمل بروح الحياد التام، والحافظً على مصالح الجميع دون تردد أو انحياز .  
الجانب الشرعي يسيرٌ جدًا في أحكام الوصية، فالشريعة جعلت الوصية لتبين الحقوق، وأما ما يزيد عنها كالعطاء فتكون في حدودٍ واضحة فيجوز للإنسان أن يوصي من ماله بما لا يتجاوز الثلث، الحد الذي اعتبره الشرع كافيًا لتحقيق مقصود البر دون الإضرار بالورثة، وكذلك لا تُنفذ الوصية إذا كانت لوارثٍ من الورثة كابنٍ أو زوجةٍ أو بنتٍ، إلا إذا وافق الورثة الآخرون بعد الوفاة، لأن الله تعالى تولّى بنفسه تقسيم الميراث، ولا يُزاد أحد على نصيبه إلا بإذن أصحاب الحق .  
أما عن الصيغة الشكلية للوصية فهي غير محددة بشكل محدد، ولكن يفترض أن يحرص صاحبها أن تكون واضحة، وموثقة رسميًا عبر الجهات الرسمية لتصبح وثيقة شرعية ملزمة تُنفّذ كما هي دون النظر إلى الخلافات أو التأخير، ومن الجوانب التي تدعم لوضوح في الألفاظ عدم قول "جزء من مالي" أو "بعض ممتلكاتي"، بل تُحدد الأملاك والمبالغ والجهات بوضوح كما تُكتب العقود، فكل غموضٍ في العبارات، مع مرور الوقت قد تتغير الأملاك أو قيمتها أو أماكنها، لذلك مراجعة الوصية وتحديثها كلما جدّ جديد في المال أو الحياة أمر في غاية الأهمية، لأن الوصية وثيقة متحركة مثل الثروة نفسها، تُراجع وتُحدّث لتبقى مطابقة للواقع، كذلك من تمام الشرع والعقل اختيار وصيٍّ كفء يتولى تنفيذ الوصية بعد الوفاة، يكون أمينًا خبيرًا بالإجراءات وقادرًا على التعامل مع الجهات الرسمية والبنوك والورثة، والوصيّ في هذا السياق ليس منصبًا رمزيًا، بل مسؤولية إدارية وشرعية تحتاج إلى وعيٍ وتوازنٍ وقدرةٍ على اتخاذ القرار بعدل .  
يجدر التنويه أن الوصية ليست كالوقف فلكلٍّ منهما طبيعته وأحكامه ومقاصده المختلفة، فالوصية الهدف منها تنفيذ بما يوصي به كاتبها، وله كما سبق وأن ذكرنا أن يغيرها أو يلغيها أو يعدلها كما يشاء، وكتابتها ليست أمراً واجبًا من حيث التشريع ولكنها تخدم كاتبها، والوصية تنتهي بتنفيذها وهي بطبيعتها مؤقتة، أما الوقف فهو تصرّفٌ نافذ في حياة الإنسان، يخرج به المال من ملكه، ويتم التصرف بمنفعته لجهة محددة، ، بينما الوقف دائم الأثر، يستمر ما دام الأصل قائمًا، ولا يحق للورثة التصرف فيه بيعًا أو توريثًا، والفرق الجوهري بينهما أن الوصية حقٌّ معلق بوفاة الموصي، ولا يخرج المال بها من ملكه في حياته، بينما الوقف ينفذ فور إنشائه ويصبح المال محبوسًا لا يُورَّث .  
ومن تمام الأمر أيضًا إبلاغ من تشملهم الوصية بوجودها، أو حفظ نسخة منها لدى جهةٍ موثوقة كوزارة العدل أو مكتب محاماة معتمد، حتى تُستخرج عند الحاجة دون ضياعٍ أو تأخير . فالوصية المعلومة تُنفّذ، أما المجهولة فتُهمل ويضيع أثرها .  
المنصات العدلية اليوم جعلت توثيق الوصية عملية يسيرة وفي غاية السهولة، عبر منصة "الوصية" التابعة لوزارة العدل، إذ يمكن إعداد الوثيقة إلكترونيًا، بتسجيلها، واعتمادها، وإصدار رقم صك رسمي دون الحاجة إلى الحضور إلى المحكمة، وبهذا الصك تصبح الوصية سندًا قانونيًا، وتُعتمد لاحقًا في منصة تركات" عند تنفيذ القسمة بعد الوفاة .  
الوصية الموثقة عملية إجرائية تساعد في تحقيق المسار الذي أراده صاحبها ويرتضيه للمستقبل، وتغلق أبواب النزاعات والمطالبات غير الحقيقة، وكل تأخير في التوثيق يُعرض العائلة لمخاطر إدارية وقانونية قد تعيق حتى أبسط القرارات، كتحويل الأرباح أو بيع أصلٍ عقاري، لأن النظام يمنع التصرف قبل استكمال إجراءات التركة.  
شاركها