الخلافات الفنية في العقود الإدارية قبل رفع الدعاوى في المملكة.. أمام ديوان المظالم
الخلافات الفنية في العقود الإدارية قبل رفع الدعاوى في المملكة.. أمام ديوان المظالم
العقود الإدارية من أبرز أدوات الدولة لتنفيذ سياساتها العامة وخططها التنموية، وتتميز العقود الإدارية عن العقود المدنية بعدة خصائص، أبرزها أن أحد أطرافها جهة حكومية، وأنها تخضع لأحكام خاصة مستمدة من الأنظمة الإدارية، لا من القواعد العامة للعقود، ومن أهم سمات العقود الإدارية أنها تتضمن سلطة امتياز للإدارة، تمنحها القدرة على تعديل أو فسخ العقد في بعض الحالات بما يحقق المصلحة العامة، ولكن في المقابل تخضع هذه السلطة للرقابة القانونية والإجرائية لضمان عدم التعسف، كما أن العقود الإدارية كثيرًا ما تتعلق بأعمال معقدة من الناحية الفنية أو التنظيمية، تتطلب مشاركة تخصصات مختلفة، وتخضع لتقييمات فنية قد تكون محل خلاف بين الطرفين .
طبيعة الخلافات في العقود الإدارية: بين الفني والتنفيذي والمالي
نظرًا للطبيعة الفنية والتنظيمية المتقدمة للعقود الإدارية، فإن الخلافات التي تنشأ خلالها تتباين بحسب مضمون الالتزام. فبعض الخلافات تكون فنية بحتة، تتعلق بجودة التنفيذ أو مطابقته للمواصفات، أو كفاءة الحلول التقنية المقدمة، وقد تكون الخلافات تنفيذية أو زمنية، كحالات التأخير في التسليم أو الإخلال بالجدول الزمني، وهناك خلافات مالية تتعلق بالمطالبات الإضافية، أو الخلاف على تقييم الكميات أو الأتعاب، ويُعد التمييز بين هذه الأنواع أمرًا جوهريًا، لأن الإجراء النظامي الذي يجب اتباعه يتوقف على طبيعة الخلاف ذاته .
عندما لا تكون الأعمال قابلة للقياس المباشر: أسباب تصاعد الخلافات الفنية
يبرز الخلاف الفني بشكل خاص في العقود التي تعتمد على خدمات تحليلية أو فكرية أو تطويرية، حيث لا يوجد معيار مادي واضح للحكم على جودة الأداء، كما هو الحال في العقود الإنشائية أو التوريدية، فعلى سبيل المثال، في مشاريع إعداد الاستراتيجيات، أو تطوير الهياكل الإدارية، أو التحول الرقمي، يكون الحكم على مدى مطابقة الأعمال للتعاقد عرضة للاجتهاد فني، وقد تختلف الجهات الحكومية والمتعاقدين في تفسير جودة المخرجات، خاصة عند غياب أدوات قياس محددة أو مرجعية معيارية متفق عليها منذ البداية، وتزداد الخلافات حدة عندما تعجز الأطراف عن توحيد وجهات النظر الفنية خلال التنفيذ، وتتعطل مصالح المشروع نتيجة غياب آلية فعالة لحسم هذا التباين .
آلية مستجدة لحل الخلافات الفنية وضمان استمرارية المشاريع
في حالات الخلاف الفني التي قد تعرقل استكمال المشروع أو تُلحق ضررًا بأحد طرفي العقد توجب الأنظمة على الجهات الحكومية السعي بداية إلى تسوية النزاع عبر الحلول الودية، كخيار أولي يحقق المرونة ويحافظ على العلاقة التعاقدية. وعند تعذر التوصل إلى تفاهم، يجب على الجهة المعنية اللجوء إلى آلية محايدة لحل النزاع الفني عبر تشكيل مجلس مختص يتكوّن من ممثلين عن الطرفين، ويُعيّن رئيسه من قبل الوزارة على أن يكون من ذوي الخبرة الفنية في موضوع النزاع، وتُمنح لهذا المجلس صلاحيات واسعة تشمل مراجعة التقارير الفنية المقدمة من الطرفين، والقيام بالمعاينة الميدانية، وطلب رأي جهة خبرة محايدة إن لزم الأمر، كما يلتزم المجلس بالبت في النزاع خلال أجل محدد لا يتجاوز ثلاثين يومًا من تسلمه المستندات، وتكتسب قراراته صفة الإلزام والنهائية متى وافق الطرفان، وتُعد واجبة التنفيذ في حال إعادة النظر بعد الاعتراض، وفقًا لما قررته اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية .
تكمن أهمية هذه الآلية في قدرتها على الموازنة بين حماية المال العام وضمان الحقوق الخاصة بالمتعاقد، إذ تقي من الوقوع في التقديرات المنفردة أو الانطباعات الشخصية، وتحمي الجهة الحكومية من اتخاذ قرارات قد تُفسّر لاحقًا على أنها انفرادية أو تعسفية، كما تضمن هذه الآلية أن أي رفض للمخرجات يتم بناءً على تقييم فني موثق ومحايد، ما يعزز من قوة موقف الجهة الإدارية أمام أي طعن محتمل في قراراتها لاحقًا .
أمثلة على الخلافات الفنية في العقود الحكومية
تتنوع الخلافات الفنية التي قد تنشأ أثناء تنفيذ العقود الحكومية بحسب طبيعة المشروع وطبيعة الأعمال المطلوبة. ومن أبرز الأمثلة على هذه الخلافات ما يلي :
.1 الاختلاف حول مدى مطابقة المخرجات للمواصفات الفنية؛ كأن يقدم المتعاقد دراسة أو استراتيجية أو تصميمًا يراه متوافقًا مع المواصفات المتفق عليها، بينما ترى الجهة الحكومية أنه لا يفي بالمتطلبات أو أنه دون المستوى الفني المطلوب .
.2 عدم الاتفاق على طريقة تنفيذ العمل أو مراحله الفنية؛ مثل أن يعتمد المتعاقد أسلوبًا أو أداة تنفيذية معينة لا تراها الجهة مناسبة أو غير متوافقة مع البيئة الداخلية أو البنية التقنية المعتمدة لديها .
.3 النزاع حول جودة النتائج أو كفاءتها؛ في العقود المرتبطة بتحسين الأداء أو التحول الرقمي، قد تختلف التقديرات حول ما إذا كانت الحلول المقدمة فعالة وقابلة للتطبيق فعلاً، أو أنها حلول نظرية لا تحقق الأثر العملي المطلوب .
.4 الخلاف في تفسير المفاهيم الفنية المجردة، كأن تتعلق بعض بنود العقد بمفاهيم غير قابلة للقياس المباشر، مثل "تحسين تجربة المستخدم" أو "رفع مستوى النضج المؤسسي" وهي مفاهيم قد تختلف الجهات في تفسيرها أو في طرق قياسها .
.5 عدم قبول نتائج التقييم الفني من جهة الإشراف أو الاستشاري، قد يرى المتعاقد أن الجهة المشرفة لم تكن منصفة في تقييمها، ويطعن في صحة التقرير الفني الذي تم بناءً عليه رفض العمل أو تأخيره .
الخلافات الفنية في عقود التقنية: تباين التقدير وصعوبة القياس
تُعد الخلافات الفنية شائعة جدًا في عقود التقنية والتحول الرقمي، نظرًا لطبيعة الأعمال غير الملموسة وتعدد التفسيرات للمخرجات التقنية، ففي هذا النوع من العقود، كثيرًا ما تختلف الجهة الحكومية والمتعاقد معه حول مدى مطابقة النظام أو المنصة للمواصفات، أو حول كفاءة الأداء، أو نجاح التكامل مع الأنظمة القائمة، أو حتى حول تحقق مؤشرات الأداء مثل الأمان والسرعة والاستجابة، كما أن رفض الجهة لاعتماد بعض المراحل بسبب الأعطال أو ضعف الاختبارات الفنية يُعد من أبرز صور هذا الخلاف، ولهذا، فإن الاستعانة بجهة فنية محايدة لحسم مثل هذه التباينات يُعد ضرورة لتفادي القرارات المتسرعة والنزاعات الممتدة .
النتائج المترتبة على تجاوز آليات التسوية الفنية
عند تجاهل الجهة الحكومية لتفعيل هذه الآلية النظامية رغم وجود خلاف فني جوهري، فإنها قد تُعرض نفسها لمخاطر قانونية وإدارية كبيرة، فإذا ثبت أن قرار الرفض أو الفسخ لم يسبقه عرض النزاع على جهة فنية محايدة، فإن القضاء الإداري قد يرى أن القرار قد صدر دون استيفاء المتطلبات النظامية، مما يجعله عرضة للإلغاء أو للمطالبة بالتعويض، ومن الناحية الإدارية، فإن تجاوز هذا المسار المحايد قد يُفهم على أنه إساءة استعمال للصلاحية أو حرمان للمتعاقد من وسيلة موضوعية للدفاع عن أعماله، كما أن هذا التجاوز قد يكون محل ملاحظة من الجهات الرقابية أو ديوان المظالم، خاصة إذا ترتب عليه تعثر في التنفيذ أو أضرار مالية .
لذلك، فإن التزام الجهة الحكومية بتفعيل آلية المجلس الفني الواردة في المادة 155 من اللائحة التنفيذية لنظام المشتريات الحكومية متى تحققت شروطها لا يُعد فقط امتثالًا للائحة، بل يمثل خطوة استراتيجية لتأمين موقفها النظامي، وتثبيت قراراتها على أسس فنية راسخة، تمنحها القوة والثقة في حال اللجوء لأي مسار قضائي أو رقابي لاحق .
الإجراءات السليمة التي يجب اتباعها عند حدوث خلاف فني
عند نشوء خلاف له طابع فني، فإن على الجهة الحكومية اتباع التسلسل التالي :
.1 التصنيف الصحيح للخلاف والتأكد أنه فني لا تنفيذي ولا مالي .
.2 التوثيق الكامل للملاحظات الفنية على الأعمال، عبر تقارير ومخاطبات واضحة .
.3 السعي إلى الحل الودي من خلال الاجتماعات أو المراسلات مع المتعاقد .
.4 إذا لم يُحل النزاع وظهرت المؤشرات الدالة على تأثر المشروع، التواصل مع الوزارة لتشكيل المجلس الفني .
.5 إعداد تقرير فني من الجهة يوضح وجهة نظرها والمستندات الداعمة، وتمكين المقاول من تقديم تقريره الفني أمام المجلس .
.6 عدم اتخاذ أي قرارات نهائية (مثل الفسخ أو المصادرة) قبل استنفاذ هذا المسار الفني الكامل، ما لم يكن هناك إخلال جسيم .
متطلب مستحدث تحت التقييم والتفسير
الآلية التي نُظمت لحل الخلافات الفنية بين الجهات الحكومية والمتعاقدين تُعد من الإضافات الحديثة في النظام، ولم تطبق بشكل واسع حتى الآن، ولهذا، لا يزال هناك مبادئ وقرارات سوف تحدد ما إذا كانت هذه الآلية تُعتبر إجراءً إلزاميًا يجب اتباعه قبل اتخاذ أي قرار إداري مثل الفسخ، أم أنها مجرد خيار تنظيمي مرن تلجأ إليه الجهة الحكومية إذا رأت أنه مناسب، ولم تصدر حتى الآن سوابق قضائية كافية توضح الموقف القانوني من هذا الإجراء، مما يجعل التفسير النهائي لطبيعته النظامية أمرًا غير محسوم، وتجدر الإشارة إلى أن النظام السابق للمنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/58) بتاريخ 4/9/1427هـ، كان قد تضمّن في مادته الثامنة والسبعين إنشاء لجنة للنظر في تعويضات المقاولين وبلاغات المخالفات، يرأسها مستشار قانوني وتضم في عضويتها خبراء فنيين، إلا أن ديوان المظالم استقر في أحكامه على اعتبار هذه اللجنة غير ملزمة، وأن اللجوء إليها ليس شرطًا سابقًا قبل رفع الدعوى، ما جعل دورها أقرب إلى وسيلة تنظيمية استشارية لا تقيّد سلطة القضاء ولا تُعد مسارًا إجرائيًا واجبًا .
لكن على الرغم من عدم وضوح الإلزام، يُفضل أن تتعامل الجهات الحكومية مع هذه الآلية بوصفها ضمانة وقائية مهمة لصالحها، خاصة في حال وجود خلاف فني قد يؤدي إلى تعثر المشروع أو اعتراض من المتعاقد، فتفعيل هذه الآلية يُعزز من موقف الجهة في حال الطعن على قراراتها، ويُظهر التزامها بالشفافية والعدالة في تقييم الأعمال، كما يُسهم في حماية الجهة من أي اتهام بالتعسف أو التسرع في رفض الأعمال، ويُعد خطوة إيجابية نحو ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الحياد الفني .