يشهد العالم تطورات متسارعة في الذكاءالاصطناعي؛ إذ دخلت استخداماته في كل شيء تقريبا؛ وأصبحت هذه التطورات جزءأساسياًمن صناعة التقنية، التي تلعب دوراًكبيرفي حياتنا اليومية.
وبحسب ما نشرته الهيئة السعودية للبيانات والذكاءالاصطناعي (سدايا (؛ فإن الذكاءالاصطناعيقد بدأ بالظهور منذ عام 1955 م، وانتشرت تقنياته بشكل ملحوظ فيالآونة الأخيرة، واعترفت الهيئة بأنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه للذكاءالاصطناعي؛ بسبب صعوبة تعريف ماهية الذكاء البشري، إضافة إلىاختلافالمنظور الذي يمكن أن يصف الذكاءالاصطناعي. وأوردت الهيئة تعريفها للذكاءالاصطناعيبأنهالأنظمةالتي تستخدم تقنيات قادرة على جمع البيانات واستخدامها للتنبؤ، أو التوصية، أو اتخاذ القرار، بمستويات متفاوتة لتحقيق أهداف التحكم الذاتي، واختيار أفضل إجراءٍ لتحقيق أهداف محددة.
وذكرت الهيئة أيضا أن الروبوتات تعتبر من أهم أدوات الذكاءالاصطناعي. وفيالأيامالماضية استقبل العالم خبرا مثيراللانتباهحول الإعلان عن أولمحامٍروبوت يعمل بالذكاءالاصطناعي، في سابقة تعدالأولىمن نوعها في العالم، وذلك بعدما نشر مؤسس ومطور الروبوت – الشاب البريطاني الجنسية- السيد "جوشوابراودر " عبر حسابه الشخصي في إحدى وسائل التواصلالاجتماعيعن نية شركتهلأولمرة استخدام محامٍ روبوت يعمل بتقنية الذكاءالاصطناعيللدفاع عن البشر، وستستقبله المحاكمالأمريكيةقريباً،الأمرالذي يعتبر لدىالكثيرضرباً من الخيال.
وكان السيد " براودر " قد أسس شركته دونتباي "DoNotPay" عام 2015 م عندما كان طالبا في جامعة ستانفورد آنذاك؛ بهدف تقديم خدمات لمواقف السيارات في المملكة المتحدة، ثم توسعت أعمال شركتهحتى وصلتللولاياتالمتحدةالأمريكية، وأصبحت بعد ذلك تقدم المشورة بشأن عدد من الموضوعاتالأخرى، بما في ذلكالرحلاتالجوية المتأخرة، وحقوق مكان العمل، والمطالبات الإعلانية المضللة.
ثم انطلقت الشركة بعد ذلك نحو تقنيات الذكاءالاصطناعي. ووفقا لما نشرته صحيفة "Now Times"، ونقلته "العربية. نت "، فقد أعلنت شركةعن تطوير أول"DoNotPay محامروبوت في العالم يعمل بالذكاءالاصطناعي، ويعمل منخلالهاتف ذكيللاستماعإلى ادعاءات المحكمة، ومن ثم الدفاع عن المتهم؛ بعد ذلك يخبر المدعى عليه بما يقوله عبر سماعات الرأس. وقد صرحت الشركة المنتجة له بأنه قد تم تدريب مطوري الروبوت على دراسة قضايا عديدة، وتزويدهم بالمعلومات القضائية والقوانين، من أجل مساعدة الروبوت على تحليل التهم قبل الرد عليها، وحرص الخبراء الذين زودوا الروبوت بالمعلومات تلك علىالالتزامبالقوانين، وتقليص التحايل عليهالأقلقدر ممكن، وحددت الشركة موعداً لرفع دعوى قضائية في شهر فبراير لعام 2023 م فيالولاياتالمتحدة، وسيترافع في هذه القضية أولمحامٍ "روبوت" في العالم، في دعوى تتعلق بمخالفة تجاوز السرعة، ولم تنشر الشركة أي معلومات أخرى عن القضية، كما تعهدت بدفع الغرامات عند خسارتها.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة السيد " براودر ": إن المحامي الروبوت قد تم تدريبه على البيانات الواقعية؛ لتقليل المسؤولية القانونية على موكله، في حين ذكر بعض مطوري الروبوت أن الهدف من الروبوت أن يحل مكان المحامين؛ حتى يتم توفير أموال المتهمين في القضايا. وكان خبر وجود محام آلي قد وقع على عدد كبير من شركات المحاماة كالصاعقة؛ بسبب تقدم تقنيات الذكاءالاصطناعي، مما اضطر بعض تلك الشركات إلى طرق أبواب المحاكم ضد الزميل الجديد- المحامي الروبوت – فقد تقدمت شركة المحاماةالأمريكية " إدلسون " بدعوى قضائية ضد المحامي الروبوت فيولايةكاليفورنيا قبل أن تبدأ أولى جلسات ترافعه؛ وقالت الشركة إن ما يقدمه المحامي الروبوت من خدمة يعد أمراً غير قانوني لأنهمحامياًلايملك ترخيصاً لمزاولة المهنة، أو شهادة دراسية في القانون، وأن ادعاء شركة "DoNotPay" أن الروبوت الذي صنعته يعتبر "أولمحاميروبوت في العالم"، هو ادعاء غير صحيح،وغيرقانوني بحسب الشكوى؛ إذ إن شركةإدلسونقد استشهدت بعدد من زبائن الروبوت الذين قالوا: إن ما قدمه المحامي الروبوت من معلوماتوخدمات واقتراحاتخلالقضاياهم لم يكن على المستوى المطلوب، بل إن بعض نصائحه قد أدت إلى نتائج عكسية
وفي نفس الموضوع بدأت المحاميةالأمريكية " تيوسون " في إجراءات قانونية ضد شركة "DoNotPay"؛ بدعوى قضائية وصفتهابالاحتيال، تم رفعها إلى المحكمة العليابولايةنيويورك، وجاء رد المدير التنفيذي للشركة( بأن كل تلكالادعاءاتليست صحيحة، وأن المحامي الروبوت قادر على حضور الجلسات، وتقديمالاستشاراتالقانونية المفيدة. وبناء على ذلك فإن الشركة تنكر أنها قامت بأي فعل خاطئ، وأن الدعوى المقامة ضدها تفتقر أليأساس قانوني، كما أنها ستدافع عن نفسها بشدة أمام هذهالاتهامات، لكنها لم توضح إن كانت ستستخدم الذكاءالاصطناعيفي مرافعاتها في هذه القضية، أم ستعتمد على محامين وخبراء قانونيين بشر.
ونظرالانتشارالخبر في وسائل التواصلالاجتماعي، والسوشيال ميديا، فقد شككالكثيرونمن المتابعين للقضية في قدرة الروبوتات على دخول المجال القانوني؛لأن المحاماة مهنة صعبة، لها شروط، ولأنه من الممكنأن يوقع الناس في مشاكل عديدة؛ كحالة تعطله عن العمل أثناء المرافعة، أو حدوث خلل ما في تقنياته،ولاسيماإذاقررالأشخاصالذين يخاطبهم الروبوت الرد، أو السؤال، أو طلبتوضيح نقاط معينة.
على عكسهم تماما، فإن هناك فئة من الناس قد أُعجبوا بالفكرة ودعموها ودعموها بهدف تقليل أتعاب المحاماة، كما ذكر الرئيس التنفيذي للشركة "جوشوا براودر" الذي قال: ( الأمر كله يتعلق باللغة، وهذا ما يتقاضاه المحامون بمئات أو آلاف الدولارات في الساعة، الذي يعتقد أن هذه التكنولوجيا ستحلُّ يومًا ما محلَّ المحامين، وسيظل هناك الكثير من المحامين الجيدين الذين قد يتجادلون في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لكن الكثير من المحامين يتقاضون الكثير من المال لنسخ المستندات ولصقها، وأعتقد أنه سيتم استبدالهم بالتأكيد ).
ومما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي قد يسود الساحة، وربما في المستقبل أيضاً، ولا يمكن إنكار أن الروبوتات قد أصبحت جزءًا من حياتنا خاصة مع التقدم التقني المتوقع بل سيزداد عددهم بشكل كبير، لكن عند الحديث عن عمل المحامين، فإن العمل بالنسبة للمدَّعِي أو المدَّعَى عليه ، حتى لو كانت الروبوتات أسرع من البشر في الرد والإجابة، فهي لن تستطيع التفكير كالمحامي الطبيعي الذي يعتمد على العقل في عمله وقراءته المتقنة للقضية، في حين يمكن الاعتماد على الروبوتات بشكل أكبر عندما يتعلق الأمر بالمهام الإدارية على سبيل المثال؛ لأن بعض مهامها قد لا تتطلب ذكاءً عاطفيًّا، أو قراءة للخصم، أو محاورة للطرف الآخر، أو تأجيل لقضية حتى استيفاء الأوراق المطلوبة، أو استمرار المناقشة للوصول إلى نتيجة معينة تقتضيها القضية؛ لأن تلك الروبوتات لا تستطيع أن تفكر مثل البشر، خاصة الدراسة العميقة للقضايا، وتحليلها، واستنتاج معطياتها- بما يتوافق مع حالة القضية- وهو أمر يعتمد على فكر الإنسان وعقله المستنير، لكن يمكن الاعتماد على الذكاء الصناعي في التحليل الإحصائي والبحث القانوني وإيراد بعض المعلومات المهمة.
أما في مجال الاستشارات القانونية الفعلية والمرافعات أمام القضاة، فلا يوجد بديل عن المحامي البشري؛ لأنه يستطيع تسوية الخلاف بشكل ودي، ويستند في ردوده إلى الحدث الذي أمامه، عكس الروبوت الذي قد لا يمكنه تقريب وجهات النظر بل قد تكون ردود فعله آلية مبرمجا عليها. ولا يمكننا أيضا إنكار فائدة ما سوف يقدمه الروبوت المحامي من خدمات لصالح المحامين مستقبلاً، لكن ليس معنى ذلك أن يكون بديلاً لعمل المحامي الطبيعي؛ إذ يفتقد الجانب الإنساني الذي يتحلى به غالبية المحامين البشر؛ فقد يترافع عن ظالمٍ أو مجرمٍ صريحٍ، الأمر الذي يرفض المحامي المهنيُّ فعله.
وكذلك قد يصاب المحامي الروبوت بحالات خللٍ أو عطلٍ أو ضررٍ ، فكيف يتم رفع قضية على الشركة المضمنة أو الضامنة له؟ هل سيكون ذلك عبر المحامي البشري، أو محامٍ روبوتي آخر ؟!
أما في حالة عجز الروبوت المحامي عن إقناع القاضي، أو تقديم أدلة كافية، فهل يستطيع الروبوت طلب تأجيل الحكم للجلسة القادمة، أم سيواجه الموكل مأزقاً جديدا في قضيته؟!
ويمكن أن يكون عمل الروبوت المحامي المعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي وبالاً على مهنة المحاماة؛ لأن الشركة المصنعة للروبوت تهدف إلى تحقيق الأرباح وزيادة العوائد المادية فقط،، ولم تحترف مهنة المحاماة، وتتمرس ولن تفرق بين ظالم ومظلوم فيها، ولن تستطيع مجاراة الخبرات المكتسبة للمحامين في مهنة المحامي الروبوت لمهنة المحاماة ،وأيضاً لن يقدم المحامي الروبوت لمهنة المحاماة سوى ذاكرة تخزينية لِكَمٍ هائل من المعلومات القانونية، وترتيبها، مع تحليل ذاكرة تخزينية لنتائجها، وعرضها في وقت أسرع من المعتاد فقط...