المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

المسؤولية المجتمعية على الشـركات كالتزام قانوني

المسؤولية المجتمعية على الشـركات كالتزام قانوني

المسؤولية المجتمعية على الشـركات كالتزام قانوني

طالما استوقفني ما يُروَى عن قيام شركات تجارية بأعمال مجتمعية نافعة؛ تركت أثرًا بالغًا في حياة الناس، وبقيت في ذاكرتهم، من صدقات عابرة، أو مشاريع نوعية، كالمدارس، والمستشفيات، والطرق وغيرها من الأعمال الإنسانية التي لا يمكن أن توصف إلا أنها أعمالٌ جليلة قيّمة؛ خدمت الناس، وقدَّمت النفع المباشر لهم. 
ينطوي مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات على قدرٍ كبير من الغموض القانوني، ولاسيما عند محاولة تحديد ما إذا كانت تُمثِّل التزامًا أخلاقيًّا طوعيًّا أم واجبًا قانونيًّا مُلزمًا، وفي المملكة العربية السعودية: بدأت ملامح مشروع نظام لتنظيم المسؤولية المجتمعية في المملكة تتبلور، ضمن مشروع نظام، أُعدّ بعناية ليكون إطارًا مرجعيًّا لممارسات القطاع الخاص في هذا المجال. وقد جاء هذا المشروع كمحاولة لتجاوُز المفاهيم التقليدية التي تربط المسؤولية المجتمعية بالتبرع أو الرعاية المؤقتة، نحو رؤية أكثر اتساعًا وشمولاً، تتقاطع مع التنمية المستدامة، ومبادئ الحوكمة، واحترام البيئة والحقوق.
ففي حين يُنظَر إلى المسؤولية المجتمعية كنوع من المساهمة الاختيارية في تنمية المجتمع، اعتمدت دولٌ نصوصًا قانونية، تحوّل المسؤولية المجتمعية إلى التزام قانوني يعكس تحوّلاً تدريجيًّا نحو تقنين هذا المفهوم! ويزداد ذلك الالتزام بتطبيقاته حين يكون القيام بالمسؤولية المجتمعية واجبًا يُقدَّم للمجتمع، ووفاءً لما تلحقه بعض المنشآت من أضرار أو استهلاك للمنشآت العامة، أو استئثار بموارد ناضبة؛ وهو ما يستلزم أن تقوم الشركات بأعمال تنبع (من الرغبة المفترضة) في تحسين الصورة الذهنية التي تتأثر بسبب نشاطات الشركات.
وبين ما هو إلزامي قانوناً وغير إلزامي يتطلب هذا الأمر تحليلاً، ووقوفًا للنظر في الممارسات الدولية والمناهج المثلى لتنظيم المسؤولية المجتمعية؛ فلا يمكن فرض التزامات موحّدة على جميع الشركات، بل المتصدر هو اعتماد تنظيم قانوني مرن، يربط بين حجم الشركة وطبيعة نشاطها، ومدى تأثيرها على المجتمع، مع تعزيز ثقافة الشفافية والتحفيز وأحيانًا الإلزام. 
إنَّ مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات يكتسب بُعدًا أكثر عند النظر إليه من منظور منطقي، فكما يتوقع الفرد الدعم والمساندة بشكل أكبر من أفراد عائلته وجيرانه الأقربين، تتوقع المجتمعات الدعم والمساندة من الشركات التي تحتضن عملياتها، والبيئة التي تتأثر مباشرة بأنشطتها؛ فهي بمنزلة «الأقرباء والجيران» الذين لهم الأولوية في استحقاق النفع، فالمسؤولية المجتمعية للشركات لا ينبغي أن تكون مجرد مبادرات عامة دون أساس ومفهوم أخلاقي في آن معًا؛ بل يجب أن تكون التزامًا تجاه مَن هم في دائرة التأثير الأولى؛ فيصبح النفع المتوقع ليس مجرد عمل خيري؛ بل استحقاق قانوني مبنيّ على علاقة الجوار، والاعتماد المتبادل بين الشركة ومحيطها المباشر، فالكثير من المبادرات التي تُدرج تحت مظلة المسؤولية المجتمعية للشركات كرعاية المؤتمرات أو المناسبات، تُقدَّم في ظاهرها كأعمال تطوعية، لكنها في الواقع لا تحقق الأثر المجتمعي العميق المتوقع منها، وغالبًا ما تكون الرعاية جزءًا من استراتيجية تواصل أو حضور مؤسسي إعلامي أكثر من كونها مبادرات تنموية ذات طابع مستدام ومفيد على المدى البعيد.  
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوازن بين دعم الفعاليات العامة والاستثمار في مشاريع مجتمعية منتجة، تترك أثرًا ملموسًا، مثل تمكين الفئات المحتاجة للرعاية، أو دعم التعليم، أو حماية البيئة، فكلما اتجهت المسؤولية المجتمعية إلى المبادرات ذات الأثر طويل المدى زادت فعاليتها في عين المجتمع، وتحققت من خلالها شراكة حقيقية بين الشركات والبيئة المحيطة بها.  
وتبرز الحاجة في هذا السياق إلى تطوير أُطر قانونية وتنظيمية مرنة تُحفِّز الشركات على انتهاج هذا المسار، دون إغفال التوازن بين الأثر الإعلامي والنتائج الواقعية المرجوة منه.  
وعلى الرغم من تنامي الوعي عالميًا بأهمية المسؤولية المجتمعية للشركات، ما يزال هذا الحقل يفتقر إلى مظلة قانونية دولية مُلزِمة أو إلى اتفاقيات متعددة الأطراف تُوجِّه الدول نحو سن تشريعات موحّدة تُقنّن هذه الممارسات وتُحفّز عليها. فالمبادرات القائمة – وفي مقدمتها «الميثاق العالمي للأمم المتحدة» والمبادئ الموجهة للأمم المتحدة بشأن الأعمال وحقوق الإنسان – تظل ضمن إطارها الطوعي (Soft Law) من دون قوة إنفاذ عابرة للحدود، فلا تُحدث التحول النوعي المنشود في سلوك الشركات، خصوصًا متعددة الجنسيات. هذا الفراغ التشريعي الدولي يُعد ثغرة في منظومة العدالة الاقتصادية والتنموية، ويجعل المسؤولية المجتمعية مرهونة بوعي الشركات أو ضغط الرأي العام، مع غياب مبادئ معيارية مُعتمدة عالميًا يُسترشد بها عند وضع السياسات الوطنية أو مساءلة الشركات، رغم بعض المحاولات في الاتجاه نحو الإلزام.  
من هنا تبرزُ الحاجةُ إلى إعادة النظر في القانون الدولي ليكون أكثرَ مبادرةً وفعالية في إرساء أطرٍ توجيهية ومعايير دولية واضحة تُنظِّم هذه المساحات المُهملة، وتوفِّر مرجعًا تستند إليه الدولُ والشركاتُ في بناء أنظمة أكثر عدالةً واستدامةً. ولعلّ المدخل العملي من منطقتنا يبدأ بمبادرةٍ لاقتراح (قانون عربي نموذجي للمسؤولية المجتمعية والاستدامة) تتبنّاه جامعةُ الدول العربية أو مجلسُ التعاون لدول الخليج العربية، أو – في حدّه الأدنى – تضمينُ مبادئ المسؤولية المجتمعية في «اتفاقية عربية للاستثمار» بنصوص تُحفّز (أو تُلزم) الشركات بحدٍّ أدنى من الإفصاح والعناية الواجبة. ويمكن ربطُ الالتزام بهذه المعايير بحوافزٍ ضريبية أو تمويلية أو بأولويةٍ في المناقصات الحكومية؛ وهو توجّهٌ بدأ يظهر وطنيًا ويمكن تعميمه إقليميًا.  
ومن منظور الشريعة الإسلامية فإن تقديم العون للمحتاجين أو حتى للذين يُظن أنهم أقرب للاستحقاق يُعتبر مبدأ أصيلاً، بل ورد فيه صورٌ متعددة في النصوص الشرعية، من أبرزها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؛ الآية تُبرز قيمة إشراك أصحاب الحاجة حتى في لحظات توزيع المال، ولو لم يكونوا من أصحاب النصيب المباشر، وهذا الفهم الشرعي العميق يتقاطع مع جوهر المسؤولية المجتمعية، التي تتجاوز الأُطر الشكلية نحو إحداث أثر عادل ومُنصف في توزيع المنافع، بل إن إلزام «العاقلة» - وهم الأقربون من المدين - بتحمُّل بعض الالتزامات المالية عنه يُعدُّ دليلاً على أن المسؤولية تجاه المجتمع ليست مسؤولية فردية بحتة؛ بل إنها موزّعة بحسب درجات القرب والتأثير؛ وهو ما يؤسس لفكرة أن الالتزام المجتمعي أو الجمعي يمكن أن يكون له الطابع الإلزامي ذاته، ولاسيما عند توافُر رابطة القرابة أو المصلحة العامة.  
ويؤخذ من هذا المعنى أن كل من له تطلُّع وتشوُّف إلى ما بين يدي الإنسان ينبغي أن يُعطَى منه ما تيسَّر، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليُجلسه معه، فإن لم يُجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين». وكان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا بدأت باكورة أشجارهم أتوا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك؛ لعلمه بشدة تشوُّفه لذلك، مما سبق تظهر حساسية الإسلام تجاه حالات الاستحقاق الاجتماعي حتى وإن لم تكن ضمن إطار الاستحقاق الواضح للحقوق المالية (كالزكاة)، ويُعزز هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾؛ إذ يشير إلى فئتين من الناس: القانع الذي لا يسأل، والمُعترّ الذي يطلب الحاجة، وكلاهما مستحق للعطاء والمشاركة؛ وهو ما يُبرز فقهًا اجتماعيًّا عميقًا في توجيه الموارد لمن لا يُظهر حاجته الملحة. ويمكن تطبيق ذلك على الشركات الكبرى، التي تستفيد من بيئة اقتصادية ومجتمعية معيّنة؛ مما يجعلها أولى بتحمُّل بعض المسؤولية تجاه تحسين تلك البيئة، سواء في التعليم أو الصحة أو فرص العمل، تحقيقًا للعدالة ومفهوم الشكر الجماعي للنعمة ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.  
وفي هذا السياق من المهم التمييز بين المبادرات التي تنطلق من روح المسؤولية المجتمعية الحقيقية، وتلك التي تُبنى بهدف دعم المصالح الخاصة للشركة، أو ترويج أعمالها بشكل غير مباشر، فقد أنشأت بعض الجهات معاهد أو مراكز تدريب، تحمل ظاهرًا اجتماعيًّا بأنه من المسؤولية الاجتماعية، لكنها في جوهرها تُوجُّه لخدمة نشاطها التجاري، أو لتأهيل كوادر تخدم الشركة نفسها دون أن يكون هناك أثرٌ تنموي أوسع على المجتمع أو القطاعات الأضعف فيه. ومثل هذه المبادرات - بالرغم من مشروعيتها من الناحية التجارية - لا يمكن تصنيفها ضمن نطاق المسؤولية المجتمعية بالمعنى الدقيق! لأنها تفتقر إلى عنصرَيْ الحياد والنفع العام، وهما ركنان أساسيان لأي نشاط يُراد له أن يُصنّف كمساهمة مجتمعية حقيقية. ومن هنا تأتي الحاجة إلى وضع معايير واضحة، تفصل بين الأعمال الترويجية والأعمال المجتمعية الأصيلة التي تستحق الدعم والاعتراف التنظيمي. 
استئثار الشركات بخيرات بعض المدن
المؤسف أنه لا ينظر إلى المسئولية الاجتماعية على أنها خيار إلزامي حين تتسبب الشركات - بمشاريعها أو أنشطتها - في أضرار ملموسة للمجتمع أو البيئة المحيطة بها، فعندما يؤدي وجود منشأة صناعية إلى تلوّث الهواء، أو منشأة زراعية لاستهلاك المياه، أو حين يعيق تواجد الشركات النقل وأصحاب الشاحنات سهولة تنقُّل الأفراد؛ أو عندما تستأثر بعض الشركات بخيرات منطقة ما فيكون سن تعويض للمجتمع المحيط والمتأثر بهذه الأنشطة خصوصاً من خلال أعمال اجتماعية أمراً متصوراً تلزم من خلاله هذه الشركات بتقديمه لصالح هذه المنطقة، ولا يمكن اعتباره بحال تفضُّلاً! بل التزامٌ ينبغي أن يُدرَج ضمن مسؤولياتها الضريبية التي تقدمها تلك المنشآت، ويخضع للرقابة القانونية، وفي هذه الحالة لا يُمكن أن يُطلق على ما تقدمه الشركة «أعمال خيرية»؛ بل يجب توصيفه بدقة بأنه ردٌّ اجتماعي مباشر على أثر سلبي أحدثته عملياتها وهذا النوع من الالتزام يقترب كثيرًا من مبدأ «التعويض غير المباشر»، أو «العدالة التصحيحية» التي تفرض على المتسبب بالضرر أن يُسهم في إصلاح ما أفسده، سواء بإعادة تأهيل البيئة، أو دعم المجتمع المحيط، أو تمويل البنية التحتية التي تضررت بسبب نشاطاته، وغيرها من أعمال.
استهلاك الموارد العامة والالتزام بالمقابل الاجتماعي
حين تستفيد الشركات من موارد نادرة أو حيوية، تخص المجتمع بأسره؛ فإنها - بحكم العدالة والإنصاف - تُصبح مطالَبة بإعادة جزء من هذه المنافع إلى البيئة والمجتمع، لا على سبيل التبرع، بل كالتزام جوهري يوازي ما تستخدمه. ومن أبرز هذه الموارد:
المياه الجوفية والعذبة: تستخدم العديد من الشركات، وخصوصًا في قطاعات الصناعة والزراعة والضيافة، كميات ضخمة من المياه العذبة، أحيانًا في مناطق تعاني الشُّح. هذا الاستهلاك يفرض عليها التزامات لتعويض الأثر، كدعم مشاريع إعادة التدوير، أو تمويل البنية التحتية للمياه في القرى المجاورة.
الطيف الترددي (Radio Spectrum): تستغل شركات الاتصالات والتقنية هذا المورد السيادي الذي تملكه الدولة. وبالرغم من دفع تلك الشركات مقابل التراخيص، إلا أن وجودها على الأرض، واستخدامها البنية التحتية الوطنية، يتطلبان التزامًا مجتمعيًّا إضافيًّا، وخصوصًا حين تؤثر أبراجها أو توسُّعها على الصحة العامة أو البيئة البصرية.
الأراضي العامة أو المحميات أو السواحل: تحصل بعض الشركات على امتيازات لاستخدام أراضٍ ساحلية، أو جبلية، أو قريبة من التجمعات السكانية. وقد تؤدي أنشطتها إلى تقييد حركة السكان، أو إحداث أضرار جمالية وبيئية.. وهنا يصبح من الضروري أن تعيد هذه الشركات جزءًا من المنافع عبر إنشاء متنزهات، أو دعم المرافق العامة.
الطاقة (الكهرباء والوقود المدعوم): تستفيد شركات كبرى من دعم مباشر أو غير مباشر لأسعار الطاقة، أو من أولوية في التزود الكهربائي.. وهذا الاستخدام يُرتب عليها التزامات اجتماعية واضحة، وخصوصًا في مناطق قد تتأثر بانقطاعات أو اختلال في التوزيع.
التلوث الضوضائي والبصري: بعض المشاريع، مثل المصانع أو الإعلانات الرقمية العملاقة، تؤثر على جودة حياة السكان المحيطين، عبر التلوث السمعي أو الضوئي، ولا يمكن اعتبار ما تُقدمه تلك الشركات للمجتمع لاحقًا تفضّلًا، بل هو ردّ واجب على أثر سلبي مستمر.
خاتمة: لذلك فإن إدراج المسؤولية المجتمعية كأداة تعويضية في مثل هذه الحالات ليس مبالغة في طلب خدمة المجتمع؛ بل ضرورة قانونية وأخلاقية تفرضها طبيعة العوائد الناتجة عن تلك الفوائد التي تجنيها تلك الشركات. وعلى الجهات التنظيمية أن تُحمِّل الشركات المتسببة في الأضرار التزامًا مباشرًا وواضحًا تجاه المناطق المتأثرة، سواء عبر العقود، أو اشتراطات الترخيص، أو من خلال قوانين مستقلة، تُنظِّم مبدأ الأثر مقابل الالتزام.
شاركها