المطوِّر العقاري بين حقه في البيع وخصوصية المستأجر
المطوِّر العقاري بين حقه في البيع وخصوصية المستأجر
يعتمد عدد من المطورين العقاريين نموذجًا استثماريًّا، يقوم على تأجير الوحدات السكنية فترة زمنية محدودة، ثم بيعها بمجرد أن تصبح مدرَّةً عائدًا إيجاريًّا ثابتًا ومعروفًا. ويُقاس هذا العائد عادة بالنسبة إلى قيمة العقار، ويُستخدم كمؤشر حاسم في تقييمه عند عرضه للبيع، سواء من قِبل المستثمرين الأفراد أو الجهات التمويلية والمقيِّمين العقاريين. ويُعدُّ هذا التوجه من أنجح النماذج الاستثمارية في السوق العقارية؛ لأنه يحقق توازنًا بين توليد الدخل من جهة، ورفع قيمة الأصل من جهة أخرى؛ فالعقار المؤجر الذي يدرُّ دخلاً منتظمًا يُنظر إليه بوصفه أصلاً استثماريًّا جاهزًا؛ ما يجذب شريحة واسعة من المشترين، ولاسيما الفئة التي ترغب في الدخول إلى السوق كمستثمرين مباشرين دون تحمُّل أعباء البناء.
غير أن هذا النموذج -بالرغم من بساطته الظاهرة- قد يواجه تحديًا قانونيًّا وواقعيًّا، يبرز عند طلب المعاينة الداخلية للعقار من قِبل الراغبين في الشراء، ورفض المستأجر هذا الطلب بحجة الحفاظ على خصوصية منزله، أو الشقة التي يقطن بها هو وأسرته. إننا هنا لا نتحدث عن تعنت من طرف المستأجر كتعسف منه في استعمال حقه؛ بل عن حق أصيل في ظل عقد إيجار سكني سارٍ، ويعتبره امتدادًا لحقه بالانتفاع بالعين المؤجَّرة. وهذا المعنى -تحديدًا في العقارات السكنية- له بُعد قانوني واجتماعي، لا يمكن تجاهله.
بموجب النظام يُمنح المستأجر المنفعة الكاملة للعقار خلال مدة العقد؛ ويحق له -ما لم يُنص على خلاف ذلك- رفض دخول أي طرف ثالث، حتى وإن كان مالك العقار نفسه؛ وبناء عليه فإن الرغبة المشروعة للمطور في عرض العقار للبيع لا تكفي وحدها لتبرير الدخول أو المعاينة، دون رضا المستأجر، أو وجود شرط تعاقدي واضح يجيز ذلك.
لكن من المهم التمييز هنا بين أسباب الرفض المتفهمة وغير المبررة.. ففي بعض الحالات يكون المستأجر معذورًا؛ لوجود ظروف أسرية، مثل وجود كبار في السن في بعض الغرف، ووجود أطفال، أو انشغاله الدائم، أو حتى عدم وجوده في العقار المستأجَر بشكل مستمر.. وهذه المبررات تُحترم، ويُفترض أن يتعامل معها المالك بمرونة وإنسانية. ولكن في حالات أخرى قد يُمارَس الرفض بشكل متكرر دون مبرر، أو يُشترط توقيت ضيق جدًّا، أو يماطل المستأجر عمدًا.. وهنا تبدأ الإشكالية في التحول إلى تعطيل فعلي للمالك.
في حالات كهذه قد تتأثر خطة البيع بشكل مباشر؛ فعدم إمكانية دخول المهتمين بالشراء، خاصة المستثمرين أو الجهات التمويلية، للاطلاع على العقار، يكون مانعًا لبيعه، أو مخالفًا لشروط التمويل التي توجب معاينة العقار من المشتري والجهة الممولة. وقد يلجأ البعض إلى حلول بديلة، مثل التصوير الاحترافي.. وهي أدوات فعالة في حالات مُعيَّنة، لكنها لا تُغني دائمًا عن المعاينة للراغب في الشراء أو السماسرة.
السؤال المطروح هنا لا يقتصر على بُعد قانوني ضيق؛ بل يعكس واقعًا استثماريًّا متكررًا في السوق العقارية: هل يمكن تفادي التعارض بين حق المالك في التصرف بملكه، وحق المستأجر في الاحتفاظ بخصوصية سكنه خلال مدة الإيجار؟
فمن جهة للمالك يحق له الاستفادة من عقاره، بما في ذلك بيعه، ونقل ملكيته، وتقديمه للمستثمرين.. ومن جهة مقابلة يتمسك المستأجر بحقه في خصوصية المسكن؛ باعتبار حيازته المؤقتة، ومساحته الخاصة التي لا يجوز اقتحامها دون إذنه. وهذا التعارض -إذا لم تتم معالجته منذ البداية- قد يتحول إلى نقطة توتر بين الطرفَيْن، ويعرقل خطة البيع، ويُفقد العقار جاذبيته أمام المستثمرين الجادين.
ولذلك فإن الجواب على هذا التعارض ببساطة هو: نعم؛ يمكن تفاديه، ولكن بشرط واحد: التنبه المسبق عند صياغة عقد الإيجار بإدراج بند صريح، يُنظِّم مسألة المعاينة لأغراض البيع.
وهذا الإدراج يُعدُّ أداة وقائية ذكية، تمنح المالك مرونة قانونية مهمة، وتزيل الغموض من البداية، دون أن تمس بحقوق المستأجر، أو تخل براحة سكنه.. ومن أمثلة ذلك:
"يوافق المستأجر على تمكين المالك أو مَن يُنيبه من معاينة العقار لأغراض البيع، وفق إشعار مسبق لا يقل عن 48 ساعة، وبما لا يخل براحة المستأجر أو خصوصيته".
هذا النص -بالرغم من بساطته- يُحقِّق توازنًا بالغ الأهمية بين حق التصرف وحق الخصوصية، ويُضفي على العلاقة التعاقدية درجة من الشفافية التي تمنح جميع الأطراف - وخصوصًا المشتري المحتمل- شعورًا بالثقة في جاهزية العقار، وسلاسة الإجراءات المتعلقة به. أما في الحالات التي يُغفل فيها هذا النص فيصبح المالك مضطرًّا للبحث عن حلول بديلة، كتقديم مزايا للمستأجر مقابل التعاون، أو إعادة ترتيب مواعيد البيع، أو الاعتماد على التصوير الاحترافي للوحدة بدلاً من المعاينة الميدانية.. وبالرغم من أن هذه الحلول قد تكون مقبولة ظرفيًّا إلا أنها تظل إجراءات تكميلية؛ لا تغني عن الوقاية التعاقدية الأصلية، خاصة حين يتعلق الأمر بصفقات كبيرة، أو جولات تفاوض مع مستثمرين مؤسسيين.
وفي نهاية المطاف لا ينبغي النظر إلى عقد الإيجار باعتباره مجرد وثيقة لتحديد مدة السكن وأجرة الوحدة؛ بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه وثيقة استراتيجية، تُبنى عليها قرارات استثمارية لاحقة، ويُعتمد عليها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بدقة ووضوح،.. كما أن له وزنًا قانونيًّا خاصًّا،؛ كونه -– بحسب الأنظمة المعمول بها- – يُعدُّ سندًا تنفيذيًّا، يمكن إنفاذه مباشرة أمام الجهات القضائية المختصة، متى استوفى شروطه، دون الحاجة إلى دعوى إثبات أو تفسير،؛ وهو ما يبرز أهمية صياغته بعناية منذ اللحظة الأولى.