المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

السحر القانوني

السحر القانوني

السحر القانوني

إنَّ من البيان لسحرا، وأين يتجلى هذا السحر إن لم يكن في قاعات المحاكم؟ هناك حيث الكلمات تزن مصائر المتقاضين؛ وحيث البيان أداة المحامي التي يوضح بها الحق أو يعيد الأمور إلى نصابها، فليست المرافعة مجرد تلاوة قانونية أو عرض حقائق مجردة، بل هي فن يتداخل فيه المنطق والبلاغة مع الإقناع.
قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ منَ البَيَانِ لَسِحْرًا" نعم وهو كذلك تحذير واضح من خطورة الكلمة عندما تُستخدم لخداع المُنصتين. وأصل الحديث عندما جاء رجلان من المشرق، هما الزبرقان بن بدر التميمي وعمرو بن الأهتم التميمي رضي الله عنهما، فقام أحدهما فخطب بكلام ساحر، مليء بالبلاغة والفصاحة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام هذه العبارة، ليبيِّن أن البيان أحيانًا قد يكون مثل السحر في تأثيره على العقول، وقد يُلبِّس الحق بالباطل، ويُضلل القلوب والعقول.
حين يستخدم البيان كأداةً حاسمة في تحديد مسار القضية يظهر خلف ذلك محامٍ بارع يوظّف مواد القانون ويتقن فن الخطابة والمرافعة، ويعرف كيف يختار الكلمة ليؤثر، والعبارة ليُبين، والدليل ليُفصح، فكثيرًا ما نسمع عن حنكة القضاة وحكمتهم، لكن قلة من يذكرون مفاتيح المحامين الذين يقفون أمامهم!
إن فن المحاماة لا يقف عند ذلك فقط بل يجب أن يمتد إلى دراسة تفكير القاضي كذلك، وأسلوبه في التقاضي ، فالتقاضي طرق عدة ودهاليز!،  كيف ينظر إلى القضية! وما هي النقاط التي قد تستفزه أو تثير ملكاته ، وما هي القيود التي تفرضها عليه طبيعة المهام الموكلة له.
البيان الساحر... سلاح ذو حدين، السحر القانوني لا يعتمد على النصوص الجامدة فقط، بل يتجلى في قوة الحجة، وحبكة الصياغة، وقدرة المحامي على توظيف كل ما يحيط من أحداث ووقائع لخدمة مركزه القانوني.
البيان الساحر قد يكون من أجمل أدوات المحامي، لكنه قد يكون أيضًا من أخطرها.
اللحن بالحجة ليس مجرد تفوق في الخطابة أو براعة في ترتيب الكلمات، بل هو فن خفي يتسلل إلى عقل القاضي، فيوجهه دون أن يشعر، ويقوده إلى حيث يريد المتحدث، فاللحن بالحجة هو أن تمتلك القدرة على تطويع اللغة، لا لإظهار الحقيقة فقط، وإعادة تشكيلها وفق ما يخدم الموقف القانوني.
في الحديث النبوي يقول رسول الله ﷺ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.
هنا يكشف لنا النبي ﷺ خطورة البيان حين يتحول إلى أداة للتضليل، حيث لا ينتصر دائمًا من يملك الحق، بل قد ينتصر من يملك القدرة على تقديم الحجة بأبلغ صورها، وأكثرها تأثيرًا على السامع، حتى وإن لم تكن الحقيقة بجانبه، ألم تلاحظ عزيزي القارئ أمرًا في غاية الغرابة في الحديث! أن من خشي من اللحن في الحجة هو الرسول عليه الصلاة والسلام فما بالك بمن هو دونه من البشر.
أحد أساليب السحر القانوني هو تحويل مسار القضية عندما يشعر المحامي أن القضاء لم يدرك مغزاه، كأن يحيل إلى خبير، أو الانتظار إلى توفر الدليل، والهدف من ذلك هو إيصال فهم القاضي تفاصيل الموضوع بعمق يناسب الحدث.
لكن القضاة بشر، ولديهم مشاعر قد تؤثر في قراراتهم، والمحامي الذكي يعرف متى يتخلى عن الحجة القانونية البحتة ليخاطب الجانب الإنساني للقاضي.
السحر ينسحب للكتابة القانونية أيضًا، ولا يعني فقط التلاعب بالمصطلحات أو الغموض، بل في فن إبراز الدفوع الرئيسة في الوقت والمكان المناسبيْن، فليس كل دفع يُقال في البداية، وليس كل نقطة قانونية تستحق أن تُقدّم.
يمنح التركيز الذكي على الدفوع الرئيسة المحامي ميزة استراتيجية خفية يمكنها أن تقلب مجرى القضية، فالمحامي البارع لا يشتت ذهن القاضي بذكر كل دفع ممكن دفعة واحدة، بل يختار الدفع الحاسم الذي يمكن أن يُنهي القضية من بدايتها، ويترك الدفوع الثانوية للردود اللاحقة إذا لزم الأمر،
إن ترتيب الجمل في الكتابة له أثره، وكذلك الدفوع؛ لها التأثير النفسي والعقلي غير المباشر على القاضي، فأحيانًا لا يُبتدأ بذكر الدفع القانوني صراحة ، بل يُبنى النص بشكل تمهيدي لتهيئة القارئ له حتى يصبح قبوله أمرًا طبيعيًا عند الوصول إليه، إذ ليس كل دفع يجب أن يُقال، وليست كل نقطة حَقِيقَةٌ بأن تُكشف فورًا،.
إن  فن إبراز الدفوع هو سحر الكتابة القانونية الحقيقي، حيث تقدم بعض بالنصوص وتُأخر البعض الآخر بحسب التوقيت، والترتيب ليترك القاضي في حالة إقناع تدريجي حتى يصل إلى النقطة التي لا يستطيع أن يتجاوزها دون أن يصدر الحكم.
في بعض الأحيان يكون من الحكمة تأجيل الدفع الحاسم إلى مذكرة لاحقة، وخصوصاً إذا كان مخططاً له ليدفع به كردة فعل متوقعة من الخصم، وكان الخصم مشغولًا في الرد على الدفوع الشكلية الأولى، أو في حال تجاهله المتعمد لبعض الدفوع المؤثرة.
النتيجة؟ أن يأتي الدفع الحاسم في اللحظات الأخيرة، ويترك القاضي أمام حقيقة جديدة يجب أن يُعيد النظر فيها في القضية برمتها، فالدفوع الجوهرية؛ تلك التي تضرب في عمق القضية.
من المعلوم أن المذكرة القانونية تتضمن وقائع وأسانيد وطلبات، وهي أركان أساسية تجعلها وثيقة قانونية متكاملة، غير أن بعض القضايا لا تحتاج إلى اجتهاد كبير في التفسير القانوني أو التحليل العميق، بل يكون سرد الوقائع كافيًا لإبراز الحقيقة، بحيث تكون الوقائع في ذاتها ناطقة بالحق، واضحة بحيث لا تحتاج إلى زخرفة قانونية وفي هذه الحالات يكون على المحامي أن يعرض الوقائع بأسلوب يجعل القاضي يستنتج معالم الحكم ويتصوره حتى قبل سماع الطرف الآخر، وهذا الأسلوب ليس فكرة طارئة، بل مهارة استراتيجية، مفادها إيصال القارئ إلى الغاية القانونية دون استغراق في التكرار أو الاستناد إلى حجج مكررة لا تضيف جديدًا، لأن الهدف الأساسي من المذكرة القانونية هو إيصال القاضي إلى القناعة القانونية بأسرع طريق ممكن، دون إرهاقه بحجج زائدة أو إعادة لنقاط تم إثباتها بالفعل. 
المحامي المتمكن لا يقيس قوة مذكرته بعدد صفحاتها، بل بقدرتها على تقديم الحقيقة بشكل واضح، موجز، وإن استخدام السحر القانوني المشروع ليس وليد المصادفة أو مجرد مهارة فطرية، بل هو نتيجة ثقافة واسعة واطلاع عميق، يمكّن المحامي من تطويع اللغة والحجة في إطار أخلاقي وقانوني يخدم العدالة. فالمحامي البارع لا يكتفي بحفظ القوانين والنصوص، بل يسبر أغوارها، ويفهم فلسفتها، ويدرس كيف تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والقضائي، هذا السحر الحلال لا يأتي إلا لمن جمع بين المعرفة القانونية المتينة، والفهم النفسي العميق للقضاة والمتقاضين، وإدراك أثر التوقيت في تقديم الحجة. فكما أن البيان قد يكون أداة للإقناع، فهو أيضًا مسؤولية تتطلب حكمة في توجيهه نحو تحقيق الحق، لا لتحريفه.
شاركها