المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

الصين ومحاربة الفساد والرشوة والكسب غير المشروع

الصين ومحاربة الفساد والرشوة والكسب غير المشروع

الصين ومحاربة الفساد والرشوة والكسب غير المشروع

يحارب النظام الصيني تقديم الرشاوى أو تلقيها بشتى الطرق ومختلف الأساليب؛ لمواجهة ومكافحة الكسب غير المشروع؛ باعتبار الرشوة جريمة جنائية خطيرة وفق قانون الصين الجنائي.

وقد سَن المشرع الصيني عقوبات رادعة للرشوة بالتوازي مع استنهاضه الوعي لمواجهة كل أشكال الفساد، من خلال جهد مشترك، تتعاضد فيه مؤسسات المجتمع كافة.

وتُولي  الحكومة الصينية مكافحة الفساد والكسب غير المشروع اهتمامًا بالغًا؛ إذ تسعى جاهدةً إلى مواصلة مكافحتهما بأنواعهما كافة، وبشتى الطرق. وحسب تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ، فإن حملة مكافحة الكسب غير المشروع، التي يُطلَق عليها (حملة شي المميزة)، مستمرة مع فترة ولايته الثالثة، مع الوعد بالتركيز على المجالات التي تتركز فيها السلطة والأموال والموارد.. مشيرًا إلى خضوع الحزب الشيوعي الحاكم والحكومة والجيش والشركات المملوكة للدولة لهذه الحملة في موجات منذ عام 2012، إبان توليه رئاسة الحكومة، وأسفرت بالفعل عن الكشف عن 4.7 مليون مسؤول مُرتشٍ.

وتأكيدًا لأهمية مكافحة الفساد والكسب غير المشروع أنشأ المُشرّع في جمهورية الصين الشعبية لجان الإشراف الوطنية، ولجان الرقابة الوطنية، أو لجان الرقابة الحكوميةCommission Supervisory National  بعد تعديل دستور جمهورية الصين الشعبية في ١١ مارس ٢٠١٨ بموجب المادة الـ٥٢ من تعديل عام 2018؛ إذ عدّل المشرع نظام الدستور لإنشائها بإضافة قِسم جديد، يوضح تشكيلها، وطبيعة عملها. وهي هيئة أو وكالة جديدة لمكافحة الفساد والكسب غير المشروع بهدف توسيع صلاحيات هيئة مراقبة الكسب غير المشروع في الحزب الشيوعي الصيني والدوائر والمنشآت الحكومية كافة.

تجدر الإشارة إلى تولي الهيئة المركزية لمكافحة الفساد في الصين - وهي هيئة حزبية وليست هيئة حكومية- مكافحة الفساد والكسب غير المشروع قبل إنشاء لجان الإشراف الوطنية بتكليف من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في حينه.

جريمة الرشوة واختلاس الأموال في جمهورية الصين الشعبية واستراتيجية مكافحتها وتعزيز قيم النزاهة

يُذكر أن جمهورية الصين الشعبية تعاني منذ إنشائها عام 1949من ظاهرة الرشوة واختلاس الأموال على المستويات كافة؛ لذا فقد وُجد لحملة مكافحتها صدى كبير، حتى قيل إن  هناك حقيقة مهمة، قد أصبحت واقعًا، على عكس ما كان قبل الثورة، هي (الأمان)؛ فقد تم القضاء نهائيًّا على ظاهرة الرشوة، لدرجة أنه لم يعد هناك محل للإشارة في الخُطب الرسمية إلى مكافحتها؛ فقد تم القضاء عليها بفضل تركيز النظام على هذه الظاهرة بصفة مستمرة ومتتابعة.. ولم تكن الوسيلة هي محاربة الرشوة في ذاتها، ولكن الهدف كان هو تغيير الإنسان ذاته، وإقناعه بأهمية المصلحة العامة، وتفضيلها على المصلحة الخاصة، وأن يكون للموظف صفة تفضيل العامة دائمًا على نفسه، والعمل للآخرين.

ومع ذلك تشير الدلائل والإحصائيات الرسمية إلى استمرار وجود هذه الظاهرة؛ الأمر الذى دعا المُشرّع إلى التشديد صراحة في التشريعات المختلفة على ضرورة مواجهة هذه الظاهرة حتى أنه ضمنها قانون القضاة في مادته الـ32 قبل تعديله عام 2019، ونصها أنه (لا يجوز لأي قاضٍ ارتكاب أي من الأفعال الآتية: اختلاس الأموال أو قبول الرشاوى).

مع ملاحظة أن القانون الجنائي المطبق في جمهورية الصين الشعبية People Republic of China Criminal Law (PRC Criminal Law)  الصادر بالتعديل التاسع للقانون الجنائي في جمهورية الصين الشعبية من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في 29 أغسطس 2015، وبدأ العمل به من الأول من  نوفمبر 2015، يحظر بشكل عام على كل فرد أو كيان موجود في الدولة تقديم أي  أموال أو ممتلكات إلى أي موظف حكومي، أو قريب له، أو أي شخص قريب من موظف حكومي حالي أو سابق، أو موظف غير حكومي، من أجل الحصول على فوائد أو منافع غير لائقة. ويحظر على جميع موظفي الدولة أو الأقارب المقربين أو أي أشخاص مقربين من موظفي الدولة والعاملين بالجهات غير الحكومية قبول الأموال أو الممتلكات أو الاستفادة من مراكزهم في تقديم منافع غير لائقة لأي شخص يسعى للحصول على هذه المزايا غير المشروعة؛ الأمر الذي يحتم علينا الإشارة إلى حالات توافر جريمة الرشوة أو الاختلاس في النظام الصيني؛ إذ تتوافر جريمة الرشوة bribes أو الاختلاس misappropriation عندما يقدم أحد الأفراد الرشوة بقصد الحصول على فوائد أو منافع غير لائقة، فإذا لم يتلقَّ الشخص المقدم لها أي منفعة يعد مرتكبًا لجريمة تقديم الرشوة، دون اشتراط توافر الأموال أو الممتلكات قبل الآخرين لتشمل ما يقدم قبل الحصول على المنفعة أو بعدها، ولو على سبيل الشكر، حتى إذا لم يطلب الشخص أي شيء في مقابل قيامه بواجبه عند قيامه بعمله، ولكنه سعى فيما بعد للحصول على الأموال أو الممتلكات من الآخرين، يمكن القول إنه يسعى للحصول على الفوائد أو المنافع من الآخرين.

إعدام مع وقف التنفيذ لمدة عامين

وفي هذا السياق أفادت وسائل إعلام صينية رسمية بأن محكمة صينية دانت السيد (تشو جيانغيونغ) الرئيس السابق للحزب الحاكم في الصين بمدينة هانغتشو بإقليم تشجيانغ شرقي البلاد بالإعدام مع وقف التنفيذ لمدة عامين على خلفية اتهامه من قِبل هيئة مراقبة مكافحة الكسب غير المشروع في الصين بتلقي رشاوى تزيد على 182 مليون يوان (نحو 25.5 مليون دولار)، على مدى 20 عامًا، وإساءته استخدام منصبه الكبير؛ إذ تلقى أموالاً مقابل منح خدمات تتعلق بالبناء، وشراء الأراضي، ومسائل أخرى لأفراد وشركات على السواء، وتسببت أفعاله في خسائر كبيرة لمصالح الدولة والشعب.

ومن المرجح أن يتم تخفيف عقوبة الإعدام مع وقف التنفيذ إلى السجن مدى الحياة بعد عامين وفقًا لما ذكرته وكالة رويترز للأنباء، ووسائل إعلام في هونغ كونغ.

يُذكر أن مدينة هانغتشو تضم المكاتب الرئيسية لمجموعة علي بابا العملاقة للتجارة الإلكترونية، وشركة أنتي جروب التابعة لها.

وزُعم أن تشو تواطأ مع مثل هذه الشركات عندما خضع للتحقيق لأول مرة في عام 2021م، لكن وسائل الإعلام الصينية لم تُشر إلى هذه المزاعم عندما نشرت الخبر عن الحكم الصادر بالإعدام.

محاربة الفاسدين المرتشين تتغير من الإعدام إلى السجن

الواقع أن أسلوب محاربة الفساد في الصين قد تغير كثيرًا خلال السنوات الأخيرة؛ فسابقًا كان الإجراء الرئيسي بحق الفاسدين الإعدام، أما الآن فيُحكَم على المرتشي بالسجن مدة تتراوح بين 10 و20 سنة بسبب 5000 يوان، وتوقفت الإعدامات؛ إذ يتم التركيز حاليًا على مصادرة أموال المرتشي الشخصية وأموال وممتلكات الزوجة؛ وهو ما يضطرهم إلى إخلاء الفلل الفخمة، والسكن في شقق صغيرة في أحياء شعبية في ضواحي المدن.

هذا، ويلاحَظ أن معدل الإدانات في المحاكم الصينية ارتفع في الفترة الأخيرة لأكثر من 99%، ومن النادر جدًّا أن يتم إلغاء حكم إعدام؛ لذا فإن عدد عمليات الإعدام التي تنفذها الصين سنويًّا من أسرار الدولة. وحسب منظمة العفو الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان تتصدر الصين الدول التي تنفذ أعلى عدد أحكام إعدام في العالم؛ إذ تعدم أو تصدر أحكام إعدام بحق الآلاف كل عام.

وبحسب صحيفة أرغو مينتي فإن المرتشي في الصين مستعد لتحمُّل عقوبة الإعدام إذا

كان يدرك أنه وفر لأسرته أموالاً تكفيها لسنوات طويلة. هذا هو نمط الحياة في الصين. ولكن إذا صودر منه كل شيء فإن ذلك أسوأ من إعدامه رميًا بالرصاص.

محاكمة مرتشٍ على الهواء عبر شاشة مثبتة في ساحة المحكمة

في واقعة مثيرة، عُرضت على شاشة كبيرة مثبتة في ساحة شيان محاكمة مرتشٍ، كان يعمل في الحكومة المحلية؛ إذ بدا هذا المرتشي وهو واقف بين رجلَي شرطة، وأعلن التوبة، وقال: "أشعر بالخجل من الذين أجبرتهم على دفع الرشوة. أنا آسف يا حزبي العزيز، وسأغسل ذنوبي، وأعيد ما أخذته إلى الدولة". وقد بينت التحقيقات التي أجريت معه أنه جمع خلال خمس سنوات نحو ثلاثة ملايين دولار.

ومن ذلك فليعتبر ضعاف النفوس.

وفي الختام نشير إلى أن هذا ليس بغريب على دولة أثبتت قدرتها على إحداث المعجزات بعد أن أخرجت ربع سكان العالم من الفقر، وبعد أن كانت دولة متخلفة استطاعت الآن أن تكون في مصاف القوى العظمى، فضلاً عن تقدمها السياسي والاقتصادي والعسكري الذي جعل العالم يهاب منها؛ وهو ما يدعو إلى الاقتراب أكثر من عالم التنين الأصفر؛ لنشاهده عن قرب؛ علَّنا نستخلص منه العظات والفوائد من الوقوف على تلك المعجزة العالمية بكل المقاييس لدولة صنعت نهضتها بنفسها، وأثرت في عالمنا اليومي بالغ الأثر.

وفى هذا المقام يحضرنا مقولة لـ(نابليون بونابرت): "دع الصين نائمة، فإذا استيقظ التنين اهتز العالم". ويقول رئيس الوزراء الهندي (جواهر آل نهرو): "إن الصين مثل جبال الهيمالايا، ولا يسع أحد أن يقول إن الهيمالايا غير موجودة في آسيا، وإذا تجاهلت وجودها فإنك تتجاهل قبل أي شيء حقيقة واقعة، ثم إنك تحرم نفسك من اكتشاف ما يكمن وراءها".

شاركها