المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

دور الفن في قضايا قانونية

دور الفن في قضايا قانونية

دور الفن في قضايا قانونية

لعب الفن دوراً محورياً في إبراز قضايا مجتمعية، وسياسية، ِّ واقتصادية، منها ما حصل حقيقة، ومنها ما هو من وحي الخيال لقصص مشابهة لها على أرض الواقع. وفي كلتا الحالتين لابد أن تكون بعض الأحداث بتراتبية منطقية؛ فالقصص الواقعية ليست بالضرورة قصصا تاريخية، فمنها ما كان بالماضي، ومنها قصص في وقتنا الحاضر، أبطالها على قيد الحياة ونقلوها كما هي، فالحياة مليئة بالقصص التي تصلح أن تكون عملاً درامياً يعرض على شاشات العرض، أو على المسرح أو بأي وسيلةٍ أخرى من الوسائل الحديثة، فالغالب أن الكاتب ينطلق في سرد أحدث القصص مستصحباً موروثه الثقافي، وخلفياته الأيديولوجية، وأهدافه من سرد هذه الأحداث.

 وبعض القصص المطروحة تناقش مجموعة من الأفكار والخلافات، وتحيط بها أحداث متسارعة، وشخصيات تدير هذه الأحداث، وتتخللها نزاعات قانونية لا تنفك عما يدور في جنبات المحاكم واشتراط واقعية النص هي حقيقة ثابتة لا يمكن نسجها من الخيال، ّ وإلا تحول العمل من كونه فكرة مبنية على المنطق إلى فكرة غير متصورة؛ لذا فالحقائق الثابتة في النص أمر لا يمكن تأليفه بل يجب أن تكون حقيقة دامغة لها شواهد حاضرة.

 بتتبع هذه الأعمال الروائية نجد بعضاً منها مناهضاً للنص القانوني معتقداً أنه بُني على مبادئ اجتماعية، وسياسية، واقتصادية غير عادلة ورافضاً له، مُستهجناً  الأسس التي بُني عليها، وتنطلق فلسفة ذلك من أن النص مهما كانت صياغته يظل قاصراً وبالإمكان تغييره معنىً ومضموناً، مستخدماً أساليب النقد بصورها كافة العلمية الموضوعية، أو غير الموضوعية بهدف التأثير على متخذ القرار؛ ليعيد النظر فيه، ومن هذه الأعمال ما كان مستسلما للنص القانوني ومتماشياً معه، ويبقى للكاتب توضيح كيف استطاع البطل الالتفاف عليه (أو على هذا النص) عبر حنكته، ودهائه، وعباراته المنمقة، وهو بذلك يتفوق على الجميع، أو يوجد تفسيراً يجعل المُتلقي يعجب بالنتيجة التي توصل إليها.

تتميز الأعمال الواقعية بأنها ترسخ في الذاكرة حال تحرَّى الكاتب عدالة المضمون، وأقنع الجميع -عبر البعد النفسي للشخصيات- بهذه العدالة؛ لأن في قصص الحياة ما يروى، وما يبقى من تفاصيل مؤثرة لا يرد ذكرها في حكم المحكمة، أو دفاتر التحقيق، أو في التقارير الصحفية، وإنما يمكن ذكرها في العمل الفني، والأهم في هذه الأعمال ما ينتظره المشاهد من الروايات الدراماتيكية؛والحل النهائي للمشكلة، وكيفية علاج كل عُقدة من العُقَد المتفرقة، وبالتأكيد حل المعضلة الرئيسية التي يقوم عليها العمل، ويكون العمل مرتبكا إذا بقيت استفسارات في ذهن المشاهد حال لم يجد جواباً مقنعاً لها أثناء سرد الأحداث.ويواجه الكُتَّاب إشكالية متكررة، وهي أن الأحداث التي تتكون خلال فترة زمنية طويلة يتم تحويلها إلى أحداث متسارعة خلال  فتراتٍ قصيرة، كما أن كثيراً من التغيرات الدرامية تتطلب صراعات قائمة، في حين أن الصراعات في الواقع تكون بتسلسل وتعاقب أقل زمنياً، وبدوافع غير مبررة في كثير من الأحيان، في حين أن النص الدرامي يصعب من خلاله إيصال هذه الأفكار، ولكن يستعاض عنها بأفكار تصب -كما يقال- في السياق الدرامي ليكون كل فعل مبررًا (أو مبرره) خلال مدة عرض العمل الفني

 

والعبرة في النهاية في إيصال الرسالة، أيا كانت كتمجيد العدالة، وانتصار للحق في مكانٍ ما، وزمنٍ معين، أو بقاء الظلم إلخ... َ ويبقى الدور في تصميم المواقف، ورسم الشخصية، وبث العاطفة المطابقة للحدث الحقيقي، هو التحدي الأكبر؛ لأنها أصدق ما يمكن إيصاله للمشاهد، فنقل الحقيقة وردة الفعل الصادقة لها تأثير على العالم كله، وإن امتزجت بالخيال، والخيال لن يكون محدوداً، ُ وإن استُسْقِيَ من قصص واقعية.

 ويتقاطع الفن مع القانون لأنه يمثل سلطة العدالة، وسلطة القضاء، وسلطة فرض سيادة القانون، وإبراز العدالة في معنى السلطة يُفهم منه أن هناك قبضة يد تمسك بالمجتمع عن الجنوح، فتصور أن الكثير من الأخطار المحدقة هي أمر متوقع، ويتم استشعارها في العقل البشري -الذي هو مُهيأ بطبيعته لتقبل وجود المخاطر في أي لحظة- على أن تكون الرسالة الأخيرة هي أن العدالة ستأخذ مجراها في نهاية المطاف، وسيبرز في النهاية أن كل متجاوز سيكون غالباً أمام مسؤول مترقب لوقوع الجاني، وأن الجاني سُيعاقب، وأن من انتقم لنفسه سيكون تحت طائلة المحاسبة!! وقد كانت وما زالت السينما الأمريكية وسيلة لتمجيد العدالة، ً وتقديمها كنموذج للحياة الحديثة، إذا لم تكن وسيلة للتسلية فقط وجني الأموال! أقصد العدالة الأمريكية تحديداً وليست الغربية، ُ بل غرست الكثير من الأفكار التي توصل إلى أن نجاح تجربة الحلم الأمريكي هي نتيجة لعدالة النظام القضائي، وحاولت في كثير من الأعمال تشويه غيره من الأنظمة الأخرى، وزرع صورة نمطية باعتبارها أقل كفاءة، أو قد تصل إلى وصفها بالهمجية لمجرد أنها لا تتوافق مع تلك النظريات! ففي منظور هوليود إن العدالة الأمريكية هي السائدة، وهي التي تستطيع وحدها إعادة الحقوق، ومتابعة المجرمين ومعاقبتهم.

 بالطبع لا يمكن أن نصف جميع الأعمال بأنها تهدف لتشويه الغير؛ ولكن هناك صبغة عامة يصعب التغافل عنها، وقلما تجد من يصف الحقائق بمصداقية مطلقة ، فالحرفية في صناعة السينما ساهمت في إقناع المتلقي بل والاستحواذ على تفكيره رغم المآخذ على صحة هذه الأفكار.

 وخلاصة ما سبق: إن السينما الأمريكية لم يكن لها دور في تعديل القوانين، أو التأثير المباشر على القرارات؛ ولذلك فإن القوانين تخضع لعملية تشريعية معقدة، تعتمد على قوانين مختلفة بحسب كل ولاية، وأهداف السينما أعم بكثير من مجرد تعديل قانون، وإنما تخاطب العالم قاطبة.

 أما السينما العربية فلم تكن لها رسائل واضحة، أو أهداف محددة فهي تخضع لرأي صاحب القصة، أو المنتج وتوجهاته! وهي تخاطب المتلقي في الدولة التي أُنتج فيها الفيلم عادة، ولا تُعنى للمشاهد العربي بشكل عام ما عدا استثناءات قليلة جداً، وقد  ساهمت السينما عموماً في تعديل عدد من القوانين؛ لأن إيصال الرسائل عند مخاطبة مُجتمع محدد يكون أكثر تركيزاً وتأثيراً. وخصوصاً إذا كانت هذه الأعمال ترتبط بما يخص الأحوال الشخصية كفيلم »الشقة من حق الزوجة« الذي ساهم في تعديل قانون الأحوال الشخصية المصري.

 وكذلك ساهم فيلم » ً جعلوني مجرما« الذي أُنتج عام 1954م، الذي أتاح للسجناء بعد ذلك مسح السابقة الأولى من سجلهم الجنائي.

كما ساهم نجاح هذا الفيلم في خروج عمل آخر »كلمة شرف« الذي ناقش بشكل جريء إمكانية السماح للسجناء بالخروج أثناء فترة مكثهم بالسجن لزيارة ذويهم، أو الالتقاء بهم، وقد تبعته دول عربية عدة في هذه الفكرة في قوانينها، ثم تلا ذلك العديد من الأعمال التي يرى من خلالها كاتب العمل رفع رأيه في القانون عبر السينما، أو عمل تلفزيوني إلا أن معظمها كانت تدور حول قانون الأحوال الشخصية.

 أما الدراما التونسية فكان لها رأي آخر عندما أثارت قضية تعددالزوجات الممنوعة نظاماً -في قانون الأحوال الشخصية- وأثر ذلك في انتشار الزواج العرفي في مسلسل »براوة«؛ ومن هنا فإن الفن قد ناقش قضية قانون كان يظن أنه يحمي المرأة بها، وإذا به يسلط الضوء على ظواهر مسكوت عنها داخل المجتمع، والبحث عن الحلول من منطلق الاعتراف بالمشكلة وتجسيدها. 

كما َسَّلط المسرح الكويتي أنيابه ليكشف عن أساليب الاحتيال المالي التي عمت الطفرة التجارية في سوق الأسهم عبر مسرحية فرسان المناخ عام 1983م، وما قامت به مكاتب تداول الأسهم بعد تدفق الأموال على البورصة من أخطاء.

 وختاماً فإن بعض النقاد يرَوْن أن الفن يمكن توظيفه كحلقة وصل بين هموم الناس في مواجهة القوانين المجحفة، أو مستحيلة التنفيذ، أو القوانين التي يسهل الالتفاف بها، ووضع كل ذلك أمام ّصاحب القرار ليعيد النظر في هذه القوانين؛ ولاسيما أن التأثير العاطفي يلقي بظلاله على المشاهد من خلال أداء الأدوار بحرفية، ويكون رسالة يصعب إيصالها بمجرد الشكوى، أو التعاملات الرسمية التقليدية، وهذا المدخل هو كذلك من يحرك البرلمانيين لإثارة هذا النوع من القوانين أمام أعضائه، ويرى آخرون أن الفن وسيلة لإيصال فكرةٍ قانونيةٍ مهمة، يغفل عنها المجتمع، وإن لم تكن محل خلافٍ آن، ولكنها تمثل منحنىً يجب أن ينتبه له المجتمع. 

شاركها