هل يُلغي الذكاء الاصطناعي دور المحامي؟

هل يُلغي الذكاء الاصطناعي دور المحامي؟
لم يعد الذكاء الاصطناعي حكرًا على المختبرات العلمية أو شركات التقنية، بل اقتحم خلال سنوات معدودة مجالات متعددة تمس صميم الحياة المهنية والاقتصادية، من الطب والتعليم والصناعة إلى الإعلام والتمويل والتسويق، وسهّل على مختلف القطاعات أداء المهام المعقدة، واختصر الزمن في جمع المعلومات وتحليلها، بل تجاوز ذلك ليشارك في اتخاذ القرار داخل بعض المؤسسات. ولم يكن مجال القانون بمنأى عن هذا التحول المتسارع، إذ دخل الذكاء الاصطناعي إلى صلب الأعمال القانونية، وبدأ يُستخدم في تحليل النصوص وتوليد الحجج وصياغة العقود ومراجعة الوثائق، بل وتقديم استشارات قانونية أولية، مما أثار حالة من الانبهار لدى كثير من المشتغلين بالقانون، ودفع بعضهم إلى التساؤل عن مستقبل المهنة .
في خضم هذا الإعجاب الواسع بدأ سؤال جوهري يطفو على السطح: هل سيُقصى المحامي من ساحة العدالة بعد أن دخل الذكاء الاصطناعي عالم القانون؟ وهل تكفي خوارزمية ذكية للإحاطة بتعقيدات النزاعات، وفهم تفاصيل النصوص واستيعاب مقاصد العدالة؟
الواقع أن الذكاء الاصطناعي في جوهره ليس أكثر من قدرة حسابية تحاكي بعض جوانب التفكير البشري، من تحليل واسترجاع للمعلومات وتوليد للنصوص، وهي قدرات تذهلنا بسرعتها واتساع تغطيتها، لكنها تبقى عاجزة عن التقييم القانوني الدقيق. فرغم أنه يستطيع استحضار مئات الوثائق والمواد القانونية خلال ثوانٍ، إلا أن ما يقدمه لا يخلو من الخلل، لأنه لا يفرّق بذاته بين قاعدة قانونية لازمة وأخرى ملغاة، ولا بين مبدأ قضائي مستقر واجتهاد شاذ، بل قد يعرضها جنبًا إلى جنب دون تمييز، فيظن القارئ غير المتمرس أنها كلها على درجة واحدة من القوة والصحة .
وهنا يبرز دور المحامي لا بوصفه ناقلًا للمعلومات بل بوصفه فاحصًا لها ومحللًا لمضامينها، يعيد ترتيبها ضمن سياقاتها الواقعية والزمنية، ويوازن بين أقوال الفقهاء واجتهادات المحاكم، ليقدم فهمًا متماسكًا ومنضبطًا لا يمكن لخوارزمية أن تصل إليه وحدها. فالمحامي هو من يميز بين الدليل الصحيح والدليل المفبرك، ويكشف التضليل حتى لو جاء مغلفًا بلغة قانونية براقة .
بل إن الذكاء الاصطناعي ذاته لا يكون مفيدًا إلا عندما يُحسن القانوني استخدامه. فهو لا يُنشئ النتائج من فراغ، بل يعتمد على المدخلات التي يتلقاها، فإن زُوّد بمعلومات مشوشة كانت مخرجاته كذلك، وإن زُوّد ببيانات دقيقة ومحدثة أخرج نتائج قوية ومبنية على أسس صحيحة، مما يمنح المحامي المتمكن أداة تحليلية تعزز عمله، وتفتح له آفاقًا جديدة، خاصة في مجالات البحث والتفسير وفرز الأدلة وربط القضايا بسوابقها .
ومن أبرز هذه الآفاق التي أتاحها الذكاء الاصطناعي للممارسين القانونيين ما يتعلق بتمييز الأدلة الرقمية، ففي عصر تنتشر فيه الوسائط المفبركة باستخدام تقنيات التزييف العميق، أصبحت الحاجة ملحة لأدوات تحليل متقدمة تساعد في تتبع أصل الصور والفيديوهات والملفات، وكشف العلامات التقنية التي تدل على التلاعب. وهنا لا تكون البرمجيات هي الحَكَم، بل القانوني هو من يُحسن تشغيلها وتفسير نتائجها وتقديمها في إطار قانوني مقبول، سواء أمام المحكمة أو هيئات التحكيم على اختلاف أنواعها. وقد اختصرت هذه التقنيات وقتًا طويلًا كان يُهدر في الفحص اليدوي للأدلة، كما منحت القانونيين وسائل جديدة لتقييم الموثوقية والمصداقية، سواء في المستندات أو في العقود أو حتى في المذكرات المتبادلة بين الخصوم .
غير أن الثقة المفرطة في الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى نتائج كارثية، وقد أثبتت الوقائع ذلك، ففي أكثر من قضية لجأ محامون في الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم مذكراتهم، غير أن هذه الأدوات قدمت سوابق قضائية مختلقة لا أصل لها، ما أدى إلى مساءلة المحامين أمام القضاء، واعتُبرت تصرفاتهم مخالفة لأخلاقيات المهنة، وهذا المثال يسلط الضوء على خطورة التعامل السطحي مع هذه التقنيات، وضرورة أن تبقى تحت إشراف العقل القانوني البشري لا أن تحل محله .
وقد تجسّد هذا الخطر بوضوح في حكم قضائي بارز بتاريخ 21 فبراير 2025، حين أصدرت المحكمة الجزئية الأمريكية في المنطقة الجنوبية من إنديانا قرارًا بفرض غرامة قدرها 15 ألف دولار على المحامي رافائيل راميريز، ممثل شركة (HoosierVac LLC) ، بعدما تبيّن أن مذكراته القانونية تضمنت اقتباسات قضائية مختلقة استقاها من برامج الذكاء الاصطناعي دون التحقق من صحتها. وأوضحت المحكمة أن هذا التصرف يخالف القواعد الفيدرالية التي تلزم المحامي بالتأكد من دقة ما يقدمه للمحكمة، مؤكدة أن المسؤولية المهنية لا تسقط بحسن النية أو بحجة الاعتماد على التقنية .
هذه الواقعة، التي نشرتها الأكاديمية الدولية للوساطة والتحكيم (17 مارس 2025)، تبرز أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من أداة مساعدة إلى عبء على المحامي إذا أسيء استخدامه، بل وتؤكد أن الخطر لا يقتصر على غير المتخصصين، فحتى المحامي المتمرس إذا تعامل معه بإهمال قد يعجز عن أداء وظائفه الجوهرية. وهنا تتأكد الحاجة المستمرة إلى العنصر البشري باعتباره الضامن الأخير للدقة والمصداقية وحارسًا لمقاصد العدالة .
هذه الواقعة، التي نشرتها الأكاديمية الدولية للوساطة والتحكيم (17 مارس 2025)، تبرز أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من أداة مساعدة إلى عبء على المحامي إذا أسيء استخدامه، بل وتؤكد أن الخطر لا يقتصر على غير المتخصصين، فحتى المحامي المتمرس إذا تعامل معه بإهمال قد يعجز عن أداء وظائفه الجوهرية. وهنا تتأكد الحاجة المستمرة إلى العنصر البشري باعتباره الضامن الأخير للدقة والمصداقية وحارسًا لمقاصد العدالة .
وفي هذا السياق جاءت كلمات معالي وزير العدل السعودي الدكتور وليد الصمعاني لتُعبّر بدقة عن هذا التوازن الواجب، حيث قال : " الشخص الذي يعتقد أن مهنته يمكن أن تُستبدل بجهاز تقني، ربما عليه إعادة النظر في اختياره لهذه المهنة ." وشدّد على أن مهنة المحاماة تقوم على التحليل العميق والتفاعل الإنساني في التعامل مع القضايا، وهي أمور لا يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها بشكل كامل. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لا يُستغنى به عن الإنسان، بل يُعد أداة مساعدة لتحسين الكفاءة داخل القطاع العدلي، موضحًا أن "حتى في التجارب الدولية، أقصى ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله هو تسهيل الإجراءات وتحسين الكفاءة، لكنه لا يمكنه اتخاذ القرارات القانونية التي تحتاج إلى خبرة وتحليل بشري ".
ختامًا لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يُلغي دور المحامي، بل يعيد تشكيله ويوسّع حدوده ويمنحه أدوات لم تكن متاحة من قبل، لكنه لا يستطيع أن يستبدل الإنسان القانوني، ولا أن يمتلك بصيرته في التقدير والوزن والمفاضلة، فالمحاماة ليست تجميعًا للنصوص ولا فرزًا للسوابق، بل هي حرفة عقلية وإنسانية تتطلب وعيًا بالواقع ومهارة في التعامل مع الاحتمال والشك والتأويل، وهذه أمور لا يتقنها إلا من تمرّس في فهم العدالة وتقدير مآلاتها .
ولا تزال العدالة تنادي الإنسان ليكون حارسها الأمين .
ولا تزال العدالة تنادي الإنسان ليكون حارسها الأمين .