خارطة جديدة للتحكيم المؤسسي

خارطة جديدة للتحكيم المؤسسي
شَهِدَ التحكيم في المملكة خلال الأعوام الأخيرة توسعًا كبيرًا، تجاوَزَ كونه مجرد بديل قضائي إلى كونه خيارًا استراتيجيًّا معتمَدًا في حل النزاعات؛ ولاسيما في ظل التحولات الاقتصادية التي رافقت تنفيذ مشاريع رؤية السعودية 2030. فقد أصبحت بنود التحكيم عنصرًا أساسيًّا في عدد متزايد من العقود، خاصة في المشاريع الحكومية الكبرى، مثل مشاريع البنية التحتية، والتطوير الحضري، والمرافق العامة؛ وهو ما يعكس الثقة المتنامية بهذا النمط في تسوية النزاعات.
وقد لعبت عوامل متعددة في دفع هذا التوسع، أبرزها التوجُّه الحكومي نحو تسريع تنفيذ العقود، وتجاوُز تعقيدات التقاضي التقليدي، وكذلك الانفتاح على الشراكات مع القطاع الخاص، المحلي والأجنبي؛ ما تطلَّب وجود آليات محايدة وفعَّالة لحل الخلافات. كما ساهمت التعديلات النظامية المتعاقبة لصدور نظام التحكيم ولائحته التنفيذية، في ترسيخ الإطار القانوني الذي يحكم العملية التحكيمية، ويمنحها موثوقية أعلى.
غير أن هذا التوسُّع في اللجوء إلى التحكيم لم يكن دون ضوابط؛ بل تزامَنَ مع وعي تنظيمي متزايد بأهمية تقنين الممارسة، ومنع تكرار التراخيص، أو فتح الباب أمام مراكز تفتقر إلى الجاهزية أو الحوكمة؛ ولهذا جاء القرار الصادر عن مجلس الوزراء بوقف تأسيس مراكز تحكيم جديدة؛ ليعكس التوجه الاستراتيجي في إعادة تنظيم المجال، وضمان أن يكون التحكيم أداةً فعَّالة وعادلة ومستقلة، لا ممارسة شكلية أو واجهة تجارية.
وقد جاء القرار الأخير في سياق يتسق مع مسار تنظيمي، سبق أن مهَّدت له اللجنة الدائمة لمراكز التحكيم السعودية، حين أصدرت في الرابع عشر من رجب 1441هـ قرارًا يحظر على المؤسسين وأعضاء مجالس الإدارة والمديرين في مراكز التحكيم ممارسة التحكيم، أو الظهور أمام هيئاته بأي صفة، تعزيزًا لقِيَم الحياد، وتلافيًا لتعارُض المصالح. وقد استندت في ذلك إلى صلاحياتها الواردة في لائحة الترخيص؛ ما شكَّل خطوة تنظيمية مهمة في ضبط العلاقة بين الإدارة والتحكيم داخل هذه الكيانات.
أما قرار مجلس الوزراء الموقَّر الجديد فقد وسَّع نطاق التنظيم، بالتوقف عن التأسيس بشكل كامل، والاكتفاء بالمراكز القائمة وَفْق شروط وضوابط واضحة، سواء كانت تابعة لاتحاد الغرف التجارية، أو مستقلة.
كما مكَّن الجهات المختصة من إلغاء ترخيص مركز التحكيم في حال ارتكابها مخالفات جسيمة، أو عدم تجديد الترخيص، مع إلزام المركز بتسوية أوضاعها القانونية خلال مدة لا تتجاوز سنة.
فالهدف من القرار تعزيز جودته ومصداقيته وارتباطه بالمصلحة العامة، وخصوصًا مع ازدياد اعتماده في مشاريع بمليارات الريالات، ومن هنا؛ فإن قرار الإيقاف يُفهم في سياقه الطبيعي كإحدى أدوات ضبط هذا المجال وتحقيق الاتزان المؤسسي؛ وهو ما يُرسِّخ صورة التحكيم في المملكة كخيار مؤسسي بديل وقائم على الاحتراف، وخاضع للرقابة، ويعمل ضمن رؤية وطنية واضحة، لا تقبل الفوضى التنظيمية أو تضارُب المصالح.
ومع هذا التنظيم الجديد تدخل المملكة مرحلة جودة نضجًا في مسار العدالة البديلة، عنوانها الوضوح والحوكمة والمسؤولية، كرسالة مباشرة إلى المراكز القائمة؛ لتطوير في أدائها، وضمان امتثالها.. وكذلك رسالة إلى المستثمرين بأن التحكيم في المملكة لم يَعُدْ خيارًا متاحًا فحسب؛ بل خيارًا منظَّمًا ومدعومًا برؤية ومؤسسات وتشريعات؛ تضمن الرقابة عليه ومتابعته وعدالته وجودته واستدامته.