يشهد العمل القانوني تغيراً على نطاق تقنيات ممارسة مهنة المحاماة والخدمات القانونية وزيادة الأدوار الثانوية يقوم بها المساعدين القانونيين -الأقل كلفة- وعلى الرغم مما يساهم به ذلك من دعم العمل القانوني وخفض النفقات وتوفير الوقت؛ فإن العديد من شركات المحاماة لاتزال تتعثر من وقت لأخر بسبب بطء الأعمال والركود العالمي وضعف ضخ الأموال في الاستثمار مما يعكس أن عمل المحامي يرتبط بعوامل لا تتعلق بشكل مباشر بما يقوم به من أعمال فقط أو ما يحققه من نجاحات تبني سمعته وإنما يبقى التوازن المالي في الانفاق لتحمل الأوقات الصعبة وترقب حركة الاستثمار هو الأهم لمجابهة النفقات الطائلة التي تلازم عمله.
تظهر الرتابة جلية عند ظهور أسماء محامين يعملون على الترويج لتقديم الخدمات القانونية وينفقون على ذلك أموالاً طائلة في سبيل الحصول على أعمال جديدة وتعاقدات مربحة لتغطية النفقات الملحة التي يتوجب دفعها لبقاء المنظومة قائمة، ومما لا شك فيه أن تعرض الاقتصاد لهزات عنيفة ومعقدة تسببت في الركود الاقتصادي شأنه أن يهز الأسس المالية لأقوى الكيانات القانونية ربحية.
يظن البعض أن أعمال المحامون لا تتوقف وخصوصاً إذا ما علمنا أن أدواره لا تنتهي سواء في تأسيس الشركات وما يتطلبه ذلك من أعمال قانونية عديدة أو تسوية الشركات عند انتهائها ولكن واقع الممارسة يفترض أن العمل على إجراءات تسوية نشاطات الكيانات القانونية ليس هدفاً بحد ذاته فالحصول على المال المتبقي من ركام الشركات الغارق في الديون والالتزامات أمر في غاية الصعوبة؛ ولذا تبقى حركة السوق هي الفيصل الذي يحكم دخول المحامين، وحركة السوق ترتبط بتوفر المال للاستثمار.
يعمل البعض من المحامين -في محاولة لإبعاد المزيد من الخسائر- لفك الارتباط بالشركاء وببعض الموظفين وتحمل ما يحيله ذلك إلى المنظومة من ضعف وبالتالي التأثير الكامل على أركانها الأساسية المكونة لأسباب الاستدامة والتميز لانخفاض عدد الفريق داخلها ، هذا الفريق يحتوي ذوو تخصصات وتميز في مجالات مختلفة، ورغم السلبيات التي تكتنف هذا الاجراء غير المبتكر لمقاومة الانهيار فإن السبب الأكثر رسوخاً لبقاء المنظومة لا يرتبط بهذه الإجراءات وإنما بالتحضير -بشكل مبكر- لأوضاع مالية خانقة توفر لها عوامل مقاومة الركود والقدرة على تجاوز هذه التحديات المكررة!.
لتوصيف موقف الكيانات القانونية بشكل صادق فيجب علينا أولاً إبعاد أنفسنا عن العوامل المساعدة لتراجع الأرباح إلى العوامل الرئيسة المؤدية للتعامل مع الأزمة والتأمل في الصورة الأكبر للقرارات المتخذة أثناء وبعد أوقات الوفرة المالية، والتأكيد على أن تضرر المنشأة بسبب تردي العوائد لا يعود للأزمات الاقتصادية، لأن الأزمات أمر محتمل الحدوث ولكن الأزمة الحقيقة تكمن في أزمة القيادة داخل المنظومات القانونية، فهذه القيادات يجب أن تكون أكثر حزماً وموضوعية في تركيز آليات الصرف.
تركز العديد من المنظومات القانونية على أن العلامة التجارية ووضع هوية تجارية للمنشأة القانونية مشابهة لذات الجاذبية التي تتمتع بها السلع والبضائع التي تتخذ هذه الوسيلة لنشر منتجاتها وأعمالها ؛ ولكن كافة المؤشرات تدل على خلاف ذلك تماماً فالهوية التجارية للكيانات القانونية ترتبط بمؤسس الهوية والأشخاص الذين يؤدون الخدمة لا بشكل ورسوخ مظهرها في أذهان الناس، والمثال الواضح لذلك فالطبيب الذي ترغب بالعلاج في عيادته لا يهم إن كانت هذه العيادة مستقلة أم تتبع لمستشفى شهير ذو مبانٍ مميزة، وهذا ينتهي به المطاف كنظرية لاستدامة الكيانات القانونية وهو أن التركيز على العلامة و الهوية التجارية هو ضرب من ضروب الوهم الذي لا يقدم الحلول أثناء الضغوط المالية وقلة الأعمال ،وبلغة التسويق فإن الحث على ترسيخ جانب الهوية التجارية من خلال المكاتب التي تقدم استشارات التسويق تمثل انفصال عميق عن الواقع ، بالإضافة إلى أن الحفاظ على العلامة التجارية بترسخ عبر الثقة في الكيان القانوني والتأكد من التزامه بقيم المهنة وهذا يتم عبر عملية تراكمية تؤسس لمنشأة قوية ومستدامة، ويمكنه تحمل مخاطر الضعف في الطلب على الخدمات، لاسيما إذا تعرض الكيان لاختبار أمام ضغوط الظروف الصعبة.
وفي حين كان يُعزى تدني إيرادات شركات المحاماة بشكل واضح إما إلى ضعف الاقتصاد أو زيادة عدد المحامين بشكل يفوق الأعمال المتاحة في مرحلة ما، إلا أنه ومن منظور آخر فإن عدم قدرة الشركات للعمل بشكل مترابط ومنظم لوضع تدابير فعالة لمقاومة تلك الضغوط يعود بشكل مباشر إلى عدم اتحاد الرؤى لقيادات هذه المنظومات، وبطبيعة الأحوال الجميع لا يرغب التحدث عن المخاطر المحتملة بادعاء أن كشفها هو إظهار أمور تكتنفها الخصوصية المطلقة كما أنها تظهر جوانب الضعف والبيانات المالية لا يرغب الشركاء باطلاع الغير عليها.
يبدأ تحديد المخاطر في الكيانات القانونية – سواء الداخلية أو الخارجية- بحسب حجم المنشأة القانونية ويتم رفع قيمة تغطية المخاطر خلال مرحلة تطوير الأعمال لتغطي المخاطر المحتملة المؤقتة والإستراتيجية، وفي حال الحفاظ على أهداف إدارة المخاطر واضحة يتم وضع الشركاء في الصورة لمعرفة كيفية تغطية تكاليف المخاطر في الحسبان قبل صرف الأرباح في أوقات الوفرة المالية، ويمكن القول إن توقع المخاطر يعتمد على عوامل وتوجهات الإدارة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي من الممكن أن تؤثر على حجمها.
المهارات القانونية مقابل الحفاظ على المنشأة
مما يثير الاهتمام أنه عند سؤال القانونيين بشأن ماذا يعني أن تكون متميزاً في ممارسة المحاماة، فإن هناك إجماعاً كبيراً في التركيز على أن تطوير المهارات القانونية للمحامي هو ما يساهم في المحافظة على منشأته في حين أن التميز في الحفاظ على المكتسبات خلال مرحلة ما هو أهم من تطوير المهارات القانونية وخصوصاً إذا كان الحديث موجهاً إلى أصحاب القرارات داخل الكيانات القانونية، وبساطة فإن تلبية احتياجات العملاء وتطويرا لمهارات وزيادة المعلومات لفريق العمل لا يعني بالضرورة ألا يكون هناك خطط تحافظ على استمرار الكيان تعد مبكراً ويكون التفكير بها بصوت عال، ومن هنا يمكن النظر إلى مهارات إعداد الميزانية التي تقتضي التركيز على اكتساب مهارات التي تتعلق بدراسة الميزانية لكي يستطيع أصحاب القرار داخل الكيانات القانونية المضي قدمًا هي معرفة الموقع الصحيح الذي تقف فيه المنشأة من الناحية المالية ثم تحديد الخطوات القادمة لها.
طرح الأفكار المستقبلية لزيادة المداخيل
لا تشغل المجالات المستجدة في الخدمات القانونية على شغف المحامين الجدد المهتمين بالانتقال إليها بل هي بذات الأهمية للمحامين الأكثر خبرة! لأن حتمية تداخل مجال ممارستهم الحالي مع مجالات الممارسة الناشئة تفرضه حاجة العملاء ، الأهم هو قبل اتخاذ قرار إطلاق الممارسة الجديدة التأكد من توفر الأدوات والقدرات اللازمة لتمثيل العملاء بشكل مفيد لهم دون اعتبارهم حقل لتجارب هذه الأفكار ، قد يستغرق الأمر وقتًا لإتقان مجال الممارسة الجديد، ولذا يمكن التركيز على الأعمال الإجرائية وأخذ الموافقات ومراجعة العقود التي يقوم بها الأفراد دون الرجوع للمحامين باعتبارها هدفاً يمكن إقحام المحامي نفسه فيه على أن يكون ذلك بخدمات وأسعار متدنية وبفوائد كبيرة للمتلقي وبصبر على ردود الأفعال التي تكون دون التوقعات ، من المؤكد أن تحويل كل إجراء إلى عمل قانوني سيكون صعباً في الخطوة الأولى ولكنها الطريق لأعمال أكبر في ذات المجال، يكفي أن يحصر المحامي كافة الخدمات والتراخيص التي تمنحها الهيئات والجهات الحكومية ومراجعتها والحصول على النماذج والمستندات اللازمة ليعرف مدى ملائمة المجال له وإمكانية تقديم هذه الإجراءات كخدمة من الخدمات التي يقدمها، فكلما كان طالبي هذه الخدمات الأكثر هم من الشركات والمصانع والمنشآت التجارية كان فرص توظيف هذه الإجراء ليقوم به المحامي ذو فرصة أكبر وكلما واجه طالبي هذه الخدمات عقبات وتفاصيل وتعقيدات كلما كان الولوج في هذه المجالات أكثر ربحية.
الأهم من ذلك هو كسب ثقة العملاء لأنهم سوف يحيلون الأعمال القانونية التقليدية إلى ذات الكيان القانوني وهنا تظهر الفص جلية في محاولة زيادة المداخيل المالية.
الحل الدائم هو تفعيل التسويق غير المباشر
التسويق غير المباشر ليس أسلوب يمكن الارتكاز عليه في حال ضعف الدخول المالية، بل هو أسلوب يجب أن يلازم عمل المحامي بشكل دائم طوال مسيرته المهنية؛ هذا النوع من التسويق يمكن أن يكون في شكل تثقيف العملاء المحتملين، وخلق الوعي بالخدمات الممكن تحقيق فائدة كبرى لهم من خلالها، أو من خلال وتطوير العلاقات معهم. هذا النوع من التسويق عالي التكلفة ويتطلب جهود وأفكار إبداعية ولكنه أسلوب مفيد على المدى الطويل، من الصعب جدًا الحصول على جهات متخصصة تدعم استراتيجيات التسويق غير المباشر كما يصعب إيجاد عائد الاستثمار وتحديده بدقة، ولكن في المقابل هو يركز على دعم القيم وتوسيع السمعة دون أن يكون "ترويجيًا" وهذا يعني أن السبب الأساسي للتسويق هو جذب العملاء المحتملين باتباع نهج مختلف عن الترويج التقليدي، إلا أنه يمكن استخدم ذات الأدوات كوسائل التواصل الاجتماعي و التدوين الصوتي والمكتوب ،و الظهور الإعلامي وتوسيع اللقاءات والعلاقات في المؤتمرات والمناسبات وتوظيف العلاقات العامة وتحسين محركات البحث.
كسب الثقة
الحصول على العملاء الجديد تحدي يواجه المحامون بشكل عام وهو أمر يتعلق بالقدرة الفائقة على إقناع متلقي للخدمة بمناسبة التعامل مع الكيان القانوني من جانب ومن جانب أخر أن قيم المنشأة تتناسب مع قيم متلقي الخدمة، هذه القيم تقول وبصوت مرتفع نحن بذلنا أفضل الممارسات المهنية وبما يحقق مصالح متلقي الخدمة، وتقول لمنسوبي المنشاة القانونية وبصوت عالي يجب بذل المزيد من الجهد والمراجعة والتأكد والإبداع، ومهما كانت النتائج فالأمر نسبي لتعلقه بعوامل كثيرة جداً قد تفضي لاحتمالات متعددة ، هذا المزيج من الإبداع والتعلم والإتقان يولد الثقة من العملاء في المنشأة بل ويجعل طالب الخدمة أكثر إيجابية في تحمل النتائج العكسية أو العقبات غير المتوقعة.