المقر الرئيسي البريد الإلكتروني التوظيف

البريد الإلكتروني

Email info@alahmed.com.sa

متى يُسمح للمواطن في المملكة بالعمل في وظيفتَيْن؟

متى يُسمح للمواطن في المملكة بالعمل في وظيفتَيْن؟

متى يُسمح للمواطن في المملكة بالعمل في وظيفتَيْن؟

لا تزال مسألة حق الموظف الحكومي في ممارسة أعمال خارج نطاق وظيفته الرسمية من المسائل التي تُثير أسئلة دقيقة حول مدى التزامه الوظيفي، وحدود التزامه النظامي. وفي بيئة تشهد توسعًا في فرص القطاع الخاص، وتنامي المبادرات الفردية، تطرح بعض الممارسات تساؤلات مشروعة: ما الذي يمكن؟ وما الذي لا ينبغي؟ وما الذي لا يُسمح به مطلقًا؟
يجدُ بعض الموظفين أنفسهم أمام إغراءات تجارية أو مهنية خارج دوائر العمل الحكومي، وقد يظنون أن العمل الإضافي، أو تسجيل سِجل تجاري، لا يتعارض مع أدائهم اليومي، غير أن الأنظمة كانت واضحة في رسم هذه الحدود؛ إذ منعت الجمع بين الوظيفة العامة ومزاولة أي مهنة أو تجارة دون إذن رسمي، حمايةً لمبدأ النزاهة، وضمانًا لتفرُّغ الموظف لخدمة المصلحة العامة.
ولم يكن هذا المنع شكليًّا؛ بل نصت عليه اللوائح التنظيمية بدقة؛ فالجمع بين وظيفتَيْن، أو تأسيس شركة، أو حتى الاشتراك غير المباشر في نشاط تجاري، لا يُنظر إليه فقط باعتباره مخالفة إدارية؛ بل خللاً محتملاً في التوازن بين الالتزام العام والمصلحة الخاصة؛ وهو ما يُعرِّض صاحبه لعقوبات، تبدأ بالإنذار، ولا تنتهي عند الحرمان من العلاوة أو إلغاء السجل التجاري.
أما الحالات التي سمح بها النظام فقد اشترطت موافقة رسمية، وقيَّدت ذلك بكون العمل يتم خارج أوقات الدوام الرسمي، وبعد التأكد من عدم وجود تعارُض مصالح أو تأثير على الوظيفة الأصلية. وفي مواقف مُعيَّنة منحت الأنظمة استثناءات لبعض أصحاب الكفاءات المهنية إذا اقتضت المصلحة العامة الاستفادة من مهاراتهم في المهن الحرة.
وعندما ننظر إلى القطاع العسكري نجد أن الحظر أشد صرامة، والتجاوز فيه لا يُعَدُّ مخالفة إدارية فحسب؛ بل قد يُفسَّر على أنه إخلال بالواجب العسكري؛ ما يستوجب إحالة إلى المحاكمات العسكرية؛ فالعسكريون ممنوعون تمامًا من ممارسة التجارة، أو حتى الاشتراك في شركات، بل إن الدخول في علاقات تجارية يُعَدُّ تهديدًا للحياد والانضباط المفترضَيْن في رجال السلك الأمني.
أما مَن ظن أن مجرد العمل بعد نهاية الدوام أمرٌ مباح دون قيد فقد فاته أن الأمر لا يتعلق بالوقت بقدر ما يتعلق بتصريح العمل، وأنه لا يمكن الجمع بين السجل التجاري والوظيفة العامة حتى خارج ساعات الدوام، إلا إذا صدر استثناء رسمي بذلك، بل إن مجرد إدراج المهنة في الهوية بـ"موظف حكومي" يُعَدُّ عائقًا أمام فتح السجل التجاري، كما أوضحت وزارة التجارة. وقد تجد مَن يقترح التعاقد مع موظف حكومي بعقد جزئي، أو استشارة خارجية، ظنًّا أن ذلك لا يتعارض مع وظيفته الأساسية، لكن النظام لا يبيح هذا النوع من التعاقد، حتى وإن لم يؤثر على ساعات العمل الرسمية، ما لم يُستصدر له إذنٌ خاص من مجلس الوزراء أو الجهة المختصة.
وفي النهاية، تبقى الوظيفة العامة التزامًا أخلاقيًّا ونظاميًّا، لا يفسح المجال لاجتهادات فردية قد تُفسَّر كمخالفات جسيمة، وخصوصًا إذا ثبت أن الموظف لم يكن يؤدي مهامه الحكومية بكفاءة بسبب انشغاله بوظائف أخرى؛ وهنا لا يعود الحديث فقط عن إنذار أو غرامة؛ بل قد يتطوَّر إلى مطالبة برد الرواتب التي صُرفت بغير وجه حق.
وإذا كانت الأنظمة واضحة فإن الممارسات تحتاج إلى وعي؛ فالموظف الحكومي، مدنيًّا كان أو عسكريًّا، في النهاية مؤتمن على وظيفة عامة؛ تتطلب التفرغ والإخلاص.. وأي خروج عن هذا السياق يجب أن يقوم وَفْق ضوابط القانون، لا رغبات الأفراد.
ومن المهم الإشارة هنا إلى ما أوضحته وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، فيما يخص آلية الجمع بين وظيفتَيْن في القطاع الخاص، كنقطة بالغة الأهمية، وخصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، وسعيها إلى تحقيق مستهدفات رؤية 2030 في تمكين الكفاءات الوطنية، ورفع معدلات التوظيف. ففي الوقت الذي تفرض فيه الأنظمة على الموظفين الحكوميين قيودًا صارمة، تحول دون الجمع بين الوظيفة العامة وأي نشاط آخر، سواء كان تجاريًّا أو وظيفيًّا، نجد أن النظام أكثر مرونة في القطاع الخاص؛ إذ أجازت وزارة الموارد البشرية للمواطنين العمل في أكثر من وظيفة داخل منشآت مختلفة، بشرطَيْن أساسيَّيْن:
1.    عدم تعارُض ساعات العمل بين الوظيفتَيْن؛ فيتمكن العامل من أداء مهامه لدى كل منشأة بكفاءة دون تقصير.
2.    الالتزام التام بنظام العمل، بما يشمل الأجور، عدد الساعات، الراحة الأسبوعية وسلامة بيئة العمل.
لكن هذه الإجازة لا تعني الإطلاق المطلق؛ بل يُشترط معها تحقُّق أمور تنظيمية أخرى عدة، من أهمها:
•        ألا يتضمن عقد العمل مع أي من المنشأتَيْن ما يمنع صراحة من العمل لدى جهة أخرى؛ إذ قد تنص بعض العقود على اشتراط التفرغ الكامل، أو تقييد العمل الإضافي لحماية الأسرار التجارية، أو حفظ التفرد المهني.
•        ألا يتعارض الجمع بين الوظيفتين مع السياسات الداخلية لأي من الجهتين؛ فبعض المنشآت تضع ضمن لائحتها الداخلية أو ميثاق السلوك المهني ما يمنع الموظف من الارتباط بوظائف أخرى خشية التأثير على أدائه أو التزامه.
•        ألا يوجد تعارُض مصالح، وهو عنصر جوهري، لا يُقاس بالوقت أو الجهد فقط؛ بل بطبيعة العلاقة بين الجهتَيْن، خاصة إذا كانتا تعملان في القطاع نفسه أو السوق نفسه، أو في حال وجود علاقات تعاقدية أو تنافسية بينهما؛ ففي هذه الحالة قد ينشأ انحياز أو محاباة من الموظف لإحدى المنشأتَيْن على حساب الأخرى؛ وهو ما يخل بمبدأ النزاهة، ويُعرِّض الموظف للمساءلة القانونية أو الإدارية.
أما من ناحية التوطين فقد نصت الوزارة على أن نسبة السعودة تُحتسب فقط لصالح المنشأة الأولى التي تم تسجيل الموظف فيها في التأمينات الاجتماعية، وهي الجهة التي تحملت التوظيف ابتداء، ووفرت للموظف أول عقد عمل موثق. وهذا الإجراء يهدف إلى ضمان العدالة في احتساب نِسَب التوطين، ومنع أي استغلال شكلي للنظام عبر تسجيل موظف واحد لدى أكثر من منشأة دون ممارسة فعلية للعمل.
وبهذه الترتيبات تُوازن الوزارة بين تشجيع المواطنين على تنمية دخولهم من خلال تعدُّد مصادر العمل، والحفاظ على العدالة التنظيمية ونزاهة العلاقة التعاقدية؛ بما يضمن عدم تداخُل المصالح، أو إساءة استغلال المرونة الممنوحة لهم.
ويلجأ بعض الموظفين الحكوميين إلى تسجيل أنشطة تجارية أو فتح سجلات بأسماء أقاربهم، كوسيلة للتحايل على الأنظمة التي تمنعهم من مزاولة التجارة أثناء شغلهم الوظيفة العامة. وغالبًا ما يكون هذا التسجيل صوريًّا؛ إذ يُدرج النشاط باسم الابن، أو الزوجة، أو أحد الوالدين، بينما تبقى الإدارة الفعلية والربح والتوجيه بيد الموظف نفسه. وبالرغم من أن هذه الممارسة قد تبدو شكلية في ظاهرها إلا أنها تُعَدُّ مخالفة صريحة لنظام الخدمة المدنية؛ وتُشكِّل خرقًا لمبدأ النزاهة والحياد الوظيفي.
فالمادة الـ13 من نظام الخدمة المدنية تنص على منع الموظف من الاشتغال بالتجارة بشكل مباشر أو غير مباشر، و"الطريقة الصورية" تدخل ضمن هذا الحظر؛ إذ تؤدي في حقيقتها إلى النتيجة ذاتها. كما أن هذه الممارسة قد تفتح بابًا واسعًا لتضارُب المصالح، وخصوصًا إذا كانت وظيفة الموظف ترتبط بمنح التراخيص أو الرقابة على القطاع نفسه الذي يدير فيه النشاط بشكل غير رسمي.
وتزداد خطورة هذه المخالفة عندما يتم التحقيق فيما إذا كان الموظف قد استغل وظيفته لدعم النشاط، أو سهَّل له إجراءات معينة؛ ما قد يرفع القضية من مستوى "مخالفة إدارية" إلى شبهة "فساد وظيفي" أو "استغلال نفوذ". وفي حال ثبوت المخالفة قد يتعرض الموظف لعقوبات، تشمل الإنذار، الغرامة، الحرمان من العلاوة، الفصل.. وقد تصل إلى المطالبة باسترداد الرواتب الحكومية إذا ثبت تقصيره في أداء مهامه بسبب الانشغال بالنشاط التجاري.
لكن الجانب الأخطر، والأقل وعيًا لدى كثيرين، هو البُعد الحقوقي والاجتماعي لـ"الصورية"؛ فعند وفاة الموظف – وهو المالك الفعلي للنشاط – تُفاجَأ الأسرة بأن المشروع أو السجل التجاري مسجل نظامًا باسم شخص آخر؛ ما يؤدي إلى حرمان الورثة من حقوقهم الحقيقية، أو وقوعهم في نزاعات قانونية مع القريب الذي تم تسجيل السجل باسمه. وفي حالات متعددة يرفض الطرف الصوري إعادة الحقوق، أو الاعتراف بملكية المتوفى للنشاط، سواء بدافع الطمع، أو بدعوى أن المشروع أصبح له بعد سنوات من التشغيل.
وقد يواجه الورثة مطالبات بسداد ديون أو التزامات متعلقة بنشاط تجاري لا يمتلكونه رسميًّا، بينما لا يمكنهم في الوقت نفسه المطالبة بإرثه؛ لعدم وجود مستند قانوني يُثبت صلتهم به. وتتعقد الأمور أكثر حين تتدخل الجهات الرسمية – كالتأمينات والزكاة والضرائب – فتتعامل فقط مع الاسم المسجل في النظام، بصرف النظر عن الحقائق الواقعية.
إن هذه الممارسة التي يُنظر إليها أحيانًا على أنها "تحايُل بسيط" تتحول مع الوقت إلى أزمة قانونية وأسرية عميقة، وتنفجر عادة بعد الوفاة، أو في حال الخلافات المالية، أو عند التصفية أو التنازع على الملكيات، كنموذج واضح على أن مخالفة النظام لا تؤثر فقط على الوظيفة أو الراتب؛ بل قد تُحدث اضطرابًا طويل الأمد في الحقوق والعلاقات الأسرية.
من هنا فإن الالتزام بعدم استخدام أسماء الغير كغطاء تجاري، وعدم مزاولة التجارة في الخفاء، ليس فقط واجبًا نظاميًّا، يحمي الموظف من العقوبة؛ بل ضمانًا لاستقرار الحقوق، ومنع النزاعات، وصيانة للعدالة داخل الأسرة والمجتمع.
شاركها