صراع البيانات بين الصين وأمريكا: السيطرة والأمن القومي… فأين موقعنا؟
صراع البيانات بين الصين وأمريكا: السيطرة والأمن القومي… فأين موقعنا؟
تتخذ الولايات المتحدة إجراءات متزايدة ضد تطبيق تيك توك متذرعة بمخاوف تتعلق بالأمن القومي وإمكانية تسريب بيانات المستخدمين للحكومة الصينية، إلا أن المفارقة تكمن في أن التطبيقات الأمريكية الكبرى، مثل ميتا وجوجل وآبل، تعتمد بشكل أساسي على جمع وتحليل البيانات، لكنها لا تواجه التدقيق ذاته، هذا التناقض يثير تساؤلات حول ما إذا كان حظر تيك توك نابعًا من اعتبارات أمنية بحتة، أم أنه جزء من سباق السيطرة على اقتصاد البيانات.
قرار المحكمة العليا الأمريكية بحظر تيك توك استند إلى مخاوف تتعلق بإمكانية استغلال الصين للبيانات الشخصية، غير أن الواقع يشير إلى أن الشركات الأمريكية تمارس الممارسات ذاتها، حيث تعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها على تتبع سلوك المستخدمين وجمع معلومات حساسة مثل الموقع الجغرافي والأنشطة اليومية، واستخدامها في الترويج الإعلاني أو بيعها لأطراف ثالثة.
شركة ميتا مثال واضح على ذلك إذ تكررت ممارساتها المثيرة للجدل فيما يتعلق بجمع البيانات. في قرار حديث، فرضت محكمة العدل الأوروبية قيودًا جديدة على الشركة تمنعها من استخدام البيانات الشخصية في الإعلانات الموجهة دون تمييز، بعد دعوى رفعها الناشط في الخصوصية ماكس شريمز. وأكدت المحكمة أن منصات مثل فيسبوك لا يمكنها استغلال بيانات المستخدمين بحرية، ما يمثل انتصارًا لمبادئ حماية الخصوصية في أوروبا. وفي الهند، التي تعد أكبر سوق لميتا عالميًا، حظرت لجنة المنافسة الهندية مشاركة بيانات مستخدمي واتساب مع المنصات الإعلانية للشركة، وفرضت غرامة بقيمة 24.5 مليون دولار. حاولت ميتا الطعن في القرار بحجة أنه يعوق استراتيجياتها الإعلانية، مشيرة إلى أن القيود قد تؤثر على قدرتها في تقديم خدمات مخصصة للشركات.
في الوقت الذي تسوّق فيه آبل نفسها كمدافع عن الخصوصية، كشفت تقارير عن قيام مساعدها الصوتي "سيري" بجمع وتحليل الأوامر الصوتية للمستخدمين دون إذن واضح. ورغم وعود الشركة بتعزيز معايير الأمان، فإن هذه الحادثة تضع تساؤلات حول مدى التزام الشركات الأمريكية بحماية البيانات. أما جوجل، فتعتمد على كميات هائلة من بيانات المستخدمين لتعزيز إيراداتها الإعلانية. وتواجه الشركة تحقيقات مستمرة في أوروبا وأمريكا بشأن ممارساتها في جمع البيانات واستهداف المستخدمين بالإعلانات المخصصة، ما يشير إلى أن المخاوف حول الخصوصية لا تقتصر على التطبيقات الصينية.
في المقابل، تفرض الصين "جدار الحماية العظيم"، الذي يمنع وصول التطبيقات والمواقع الأجنبية إلى المستخدمين الصينيين. وبموجب هذا النظام، تم حظر جوجل، فيسبوك، تويتر، يوتيوب، وحتى بعض المواقع الإخبارية مثل بي بي سي ونيويورك تايمز، في حين توفر الحكومة الصينية بدائل محلية مثل بايدو كبديل لمحرك البحث جوجل، وويتشات كبديل لتطبيقات التواصل مثل فيسبوك وواتساب، وويبو كبديل لمنصة تويتر، ويوكو كبديل لمنصة يوتيوب.
المفارقة الكبرى هي أن كلًا من الولايات المتحدة والصين تعتمدان استراتيجيات صارمة للسيطرة على تدفق البيانات. فالولايات المتحدة بررت حظر تيك توك بمخاوف من تسريب بيانات المستخدمين للحكومة الصينية، بينما تواصل شركاتها جمع البيانات بطرق غير شفافة. في المقابل، تحظر الصين التطبيقات الأجنبية لضمان سيطرتها على المعلومات داخل حدودها الرقمية.
الصراع على تيك توك ليس مجرد مسألة أمن قومي، بل هو جزء من معركة أكبر للسيطرة على بيانات المستخدمين عالميًا. وبينما تتذرع واشنطن بمخاوف الخصوصية لحظر التطبيقات الأجنبية، تواصل شركاتها استغلال بيانات المستخدمين حول العالم دون رقابة مماثلة. في نهاية المطاف، تبدو البيانات أكثر من مجرد أداة تجارية، بل سلاحًا في صراعات النفوذ بين القوى الكبرى.